الرئيسية كتب الكتاب الأول: ولادته وصبوّته-٤نسب يسوع المسيح البشري

سيرة المسيح

الكتاب الأول: ولادته وصبوّته

الدكتورجورج فورد

٤ – نسب يسوع المسيح البشري

يلاحظ القارئ المتعجِّل فرقاً بين سلسلة نسب المسيح في بشارة متى وبشارة لوقا. أما بشارة يوحنا فيظنُّها تغفل سلسلة النسب تماماً. والواقع أن يوحنا لم يغفل نسب المسيح، بل عاد به إلى أصله الأزلي، كما أنه لا خلاف حقيقي بين سلسلتي نسب متى ولوقا، كما سنرى هنا.

سلسلة نسب بشارة يوحنا

والحقيقة هي أن يوحنا لم يغفل نسب المسيح، فقد أتى بلقب جديد ليسوع، لم يستعمله غيره من كتَبة الإنجيل، إذْ سماه «الكلمة». وهو لقب مناسب جداً، لأن الكلمة تعلن فكر المتكلم الذي لا يظهر بدونها. وهكذا يعلن يسوع الظاهر في الجسد «الإله الذي يرى ولا يُرى». وقد أعلن المسيح بتصرفاته قولاً وفعلاً صفات الله، كقدرته وحكمته وجودته وقداسته، فصحَّ أن يكون من جملة أسمائه الوصفية اسم «الكلمة»، وهو القائل: «اَلَّذِي رَآنِي فَقَدْ رَأَى ٱلآبَ» (يوحنا ١٤: ٩).

كنا نظن أن يكون اللقب «الكلمة» في صيغة المؤنث، لكن من الفعل المذكر والضمير المذكر، ومن القول إن «الكلمة صار جسداً وحلّ بيننا، ورأينا مجده مجداً كما لوحيد من الآب» نرى أن يوحنا قد حوّل اسم الكلمة عن المعنى المألوف، وجعله يعني شخصاً حقيقياً هو يسوع المسيح.

وختم يوحنا مقدمة إنجيله مؤكداً أن الله روح لا يُرى قط، لكن هذا الكلمة، الابن الوحيد من الآب، قد أعلنه، وهو أهلٌ لذلك، لأنه ساكن في حضن الآب فيعرفه حق المعرفة. ولكي يعلنه للبشر «صَارَ جَسَداً وَحَلَّ بَيْنَنَا» (يوحنا ١: ١٤) وهذا الحلول يُسمَّى التجسد أو التأنُّس.

سلسلة نسب بشارة متى

«كِتَابُ مِيلادِ يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ ٱبْنِ دَاوُدَ ٱبْنِ إِبْراهِيمَ. إِبْراهِيمُ وَلَدَ إِسْحاقَ. وَإِسْحاقُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يَهُوذَا وَإِخْوَتَهُ. وَيَهُوذَا وَلَدَ فَارِصَ وَزَارَحَ مِنْ ثَامَارَ. وَفَارِصُ وَلَدَ حَصْرُونَ. وَحَصْرُونُ وَلَدَ أَرَامَ. وَأَرَامُ وَلَدَ عَمِّينَادَابَ. وَعَمِّينَادَابُ وَلَدَ نَحْشُونَ. وَنَحْشُونُ وَلَدَ سَلْمُونَ. وَسَلْمُونُ وَلَدَ بُوعَزَ مِنْ رَاحَابَ. وَبُوعَزُ وَلَدَ عُوبِيدَ مِنْ رَاعُوثَ. وَعُوبِيدُ وَلَدَ يَسَّى. وَيَسَّى وَلَدَ دَاوُدَ ٱلْمَلِكَ. وَدَاوُدُ ٱلْمَلِكُ وَلَدَ سُلَيْمَانَ مِنَ ٱلَّتِي لأُورِيَّا. وَسُلَيْمَانُ وَلَدَ رَحُبْعَامَ. وَرَحُبْعَامُ وَلَدَ أَبِيَّا. وَأَبِيَّا وَلَدَ آسَا. وَآسَا وَلَدَ يَهُوشَافَاطَ. وَيَهُوشَافَاطُ وَلَدَ يُورَامَ. وَيُورَامُ وَلَدَ عُزِّيَّا. وَعُزِّيَّا وَلَدَ يُوثَامَ. وَيُوثَامُ وَلَدَ أَحَازَ. وَأَحَازُ وَلَدَ حَزَقِيَّا. وَحَزَقِيَّا وَلَدَ مَنَسَّى. وَمَنَسَّى وَلَدَ آمُونَ. وَآمُونُ وَلَدَ يُوشِيَّا. وَيُوشِيَّا وَلَدَ يَكُنْيَا وَإِخْوَتَهُ عِنْدَ سَبْيِ بَابِلَ. وَبَعْدَ سَبْيِ بَابِلَ يَكُنْيَا وَلَدَ شَأَلْتِئِيلَ. وَشَأَلْتِئِيلُ وَلَدَ زَرُبَّابِلَ. وَزَرُبَّابِلُ وَلَدَ أَبِيهُودَ. وَأَبِيهُودُ وَلَدَ أَلِيَاقِيمَ. وَأَلِيَاقِيمُ وَلَدَ عَازُورَ. وَعَازُورُ وَلَدَ صَادُوقَ. وَصَادُوقُ وَلَدَ أَخِيمَ. وَأَخِيمُ وَلَدَ أَلِيُودَ. وَأَلِيُودُ وَلَدَ أَلِيعَازَرَ. وَأَلِيعَازَرُ وَلَدَ مَتَّانَ. وَمَتَّانُ وَلَدَ يَعْقُوبَ. وَيَعْقُوبُ وَلَدَ يُوسُفَ رَجُلَ مَرْيَمَ ٱلَّتِي وُلِدَ مِنْهَا يَسُوعُ ٱلَّذِي يُدْعَى ٱلْمَسِيحَ. فَجَمِيعُ ٱلأَجْيَالِ مِنْ إِبْراهِيمَ إِلَى دَاوُدَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ دَاوُدَ إِلَى سَبْيِ بَابِلَ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً، وَمِنْ سَبْيِ بَابِلَ إِلَى ٱلْمَسِيحِ أَرْبَعَةَ عَشَرَ جِيلاً» (متى ١: ١-١٧).

أما متى، كاتب سلسلة نسب المسيح، فقد كان في الأصل عشاراً يهودياً، اسمه العبراني لاوي، واسمه اليوناني متى، واسم أبيه حلفى، وكان عمله في خدمة الحكومة الرومانية يستلزم أن يكون صاحب معرفة، ولا سيما في الأمور المالية والتجارية، كما كان من ذوي اليُسْر المالي.

وتبدأ مقدمة بشارة متى بالقول: «كتاب ميلاد يسوع المسيح ابن داود بن إبراهيم. إبراهيم ولد إسحق، وإسحق ولد يعقوب، ويعقوب ولد يهوذا وإخوته». ثم يذكر أربعين شخصاً من رجال ونساء آخرهم «يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يُدعى المسيح». وواضح أن متى يتابع سلسلة نسب المسيح من يوسف، خطيب العذراء مريم. بينما يملُّ القارئ المتعجِّل من مطالعة هذا الجدول، يدرك العاقل أهميته الفائقة، لأن فيه إيضاحات مهمة للأصل البشري، الذي منه تسلسل هذا الشخص العجيب الذي «صار جسداً وحلَّ بيننا». ويسوع هو الإنسان الوحيد في التاريخ البشري الذي حُفظ قيد تسلسله من أب البشر آدم. وهو الوحيد الذي – بالإضافة إلى جوهره الأسمى – تتوقف قيمته الإنسانية على سلسلة أجداده، لأن منها نعرف أنه ابن داود، المخلص المنتظر.

سلسلة نسب لوقا

«وَلَمَّا ٱبْتَدَأَ يَسُوعُ كَانَ لَهُ نَحْوُ ثَلاثِينَ سَنَةً، وَهُوَ عَلَى مَا كَانَ يُظَنُّ ٱبْنَ يُوسُفَ بْنِ هَالِي، بْنِ مَتْثَاتَ بْنِ لاوِي بْنِ مَلْكِي بْنِ يَنَّا بْنِ يُوسُفَ، بْنِ مَتَّاثِيَا بْنِ عَامُوصَ بْنِ نَاحُومَ بْنِ حَسْلِي بْنِ نَجَّايِ، بْنِ مَآثَ بْنِ مَتَّاثِيَا بْنِ شِمْعِي بْنِ يُوسُفَ بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يُوحَنَّا بْنِ رِيسَا بْنِ زَرُبَّابِلَ بْنِ شَأَلْتِئِيلَ بْنِ نِيرِي، بْنِ مَلْكِي بْنِ أَدِّي بْنِ قُصَمَ بْنِ أَلْمُودَامَ بْنِ عِيرِ، بْنِ يُوسِي بْنِ أَلِيعَازَرَ بْنِ يُورِيمَ بْنِ مَتْثَاتَ بْنِ لاوِي، بْنِ شِمْعُونَ بْنِ يَهُوذَا بْنِ يُوسُفَ بْنِ يُونَانَ بْنِ أَلِيَاقِيمَ، بْنِ مَلَيَا بْنِ مَيْنَانَ بْنِ مَتَّاثَا بْنِ نَاثَانَ بْنِ دَاوُدَ، بْنِ يَسَّى بْنِ عُوبِيدَ بْنِ بُوعَزَ بْنِ سَلْمُونَ بْنِ نَحْشُونَ، بْنِ عَمِّينَادَابَ بْنِ آرَامَ بْنِ حَصْرُونَ بْنِ فَارِصَ بْنِ يَهُوذَا، بْنِ يَعْقُوبَ بْنِ إِسْحَاقَ بْنِ إِبْرَاهِيمَ بْنِ تَارَحَ بْنِ نَاحُورَ، بْنِ سَرُوجَ بْنِ رَعُو بْنِ فَالَجَ بْنِ عَابِرَ بْنِ شَالَحَ، بْنِ قِينَانَ بْنِ أَرْفَكْشَادَ بْنِ سَامِ بْنِ نُوحِ بْنِ لامَكَ، بْنِ مَتُوشَالَحَ بْنِ أَخْنُوخَ بْنِ يَارِدَ بْنِ مَهْلَلْئِيلَ بْنِ قِينَانَ، بْنِ أَنُوشَ بْنِ شِيتِ، بْنِ آدَمَ، ٱبْنِ ٱللّٰهِ» (لوقا ٣: ٢٣-٣٨).

وقد أورد لوقا في بشارته جدولاً آخر لنسب المسيح يختلف بعض الاختلاف عن الذي أورده متى. ولكننا نقول إن الجدولين متفقان في أن يوسف رجل مريم أم يسوع هو الحلقة الأخيرة فيهما. ويتفقان أيضاً في حلقات النسب بين إبراهيم وداود. ويتفقان في اسمي شألتئيل وزربابل في وقت سبي بابل، لكنهما يختلفان اختلافاً فرح له المنتقدون. من هذا الاختلاف أن متى يقدّم أسماء الأجيال من يسوع راجعاً إلى إبراهيم، وأما لوقا فإلى آدم. ويتبع متى سلسلة سليمان بن داود، أما لوقا فيتبع سلسلة ناثان بن داود. ويذكر متى أن يوسف (خطيب مريم) ابن يعقوب، أما لوقا فيجعله ابن هالي والد مريم، وكان اليهود أحياناً ينسبون الرجل لوالد زوجته (قارن ما حدث مع عائلة برزلاي عزرا ٢: ٦١ ونحميا ٧: ٦٣). والحلقات في متى بين داود ويوسف تنقص كثيراً عنها في لوقا. فالأمر ظاهر أن بعض الحلقات متروكة، لأن كلمة «ابن» وكلمة «وَلَدَ» تردان أحياناً في هاتين السلسلتين بالمعنى الواسع، مثل القول إن يسوع ابن داود ابن إبراهيم، لأن متى يذكر أربع حلقات فقط في أيام القضاة بين راحاب وداود، مع أن المدة ٤٥٠ سنة. كما أن جدول لوقا يختصُّ بمريم، والآخر في متى يختص بيوسف، لأن بيان تسلسل الاثنين ضروري.

على أن البشيرين متى ولوقا يوضّحان أصل المسيح الإلهي، فمتّى بعد أن يقول في كل الحلقات السابقة «فلان ولد فلان» لا يقول – كما كان يُنتظَر – يوسف ولد يسوع، بل «يوسف رجل مريم التي وُلد منها يسوع الذي يدعى المسيح» ولوقا يقول: «وهو على ما كان يُظَنُّ: ابن يوسف».

ولو كان بالجدولين ما يستحق الهجوم والمعارضة لفعل قادة اليهود ذلك من البدء، خصوصاً وأن تسلسل النسب يبرهن أن يسوع هو ابن داود المخلص الآتي. وصَمْت اليهود عن مهاجمة سلسلتي متى ولوقا دليل على صحتهما.

دروس من سلسلة النسب

يُستخلَص من جدولي متى ولوقا من ذِكْر اسم راعوث الموآبية أن للفقراء وللأغراب عن الجنس الإسرائيلي نصيب في لائحة الشرف الملكي المسيحي. وأيضاً من اسم راحاب التي كانت قبلاً زانية، واسميْ ثامار وبثشبع أن للأشرار التائبين توبة حقيقية محلاً في هذه القائمة الشريفة، مهما كان ماضيهم معيباً. فقد اعتنى المسيح بضعفاء القوم، وغفر لكثيرين من البعيدين عن الصلاح، وقال: «لا يَحْتَاجُ ٱلأَصِحَّاءُ إِلَى طَبِيبٍ بَلِ ٱلْمَرْضَى» (متى ٩: ١٢) و «ٱبْنَ ٱلإِنْسَانِ قَدْ جَاءَ لِكَيْ يَطْلُبَ وَيُخَلِّصَ مَا قَدْ هَلَكَ» (لوقا ١٩: ١٠).

ونجد محور الإنجيل كله في العبارة الجوهرية التي أوردها يوحنا في مقدمته «كان الكلمة الله. والكلمة صار جسداً وحلَّ بيننا».

وبما أن المصدر الوحيد لأخبار المسيح هو الإنجيل، وبما أن كتبة الإنجيل جميعاً متفقون على القول بلاهوته، يستلزم الإنصاف أن تُفسَّر حوادث حياته وفقاً للقول بلاهوته.

call-of-hope.com

You may also like