الرئيسية كتبدفاعيات 26-الفصل الثالث: «الكلمة أو المسيح» وصفاته وأعماله

26-الفصل الثالث: «الكلمة أو المسيح» وصفاته وأعماله

بواسطة nancy tharwat
23 الآراء

كتاب الله ذاته وموع وحدانيته

 «الكلمة أو المسيح» وصفاته وأعماله

عوض سمعان

الفصل الثالث: «الكلمة أو المسيح» وصفاته وأعماله

  1. سمو أصله: جاء في سورة النساء أن المسيح هو روح من اللّه (آية ١٧١). وقال الإمام البيضاوي في تفسيره لهذه الآية: «سُمّى المسيح روح اللّه لأنه ذو روح صدر من اللّه، لا بواسطة ما يجري مجرى الأصل والمادة له». وقال القيصري: «المسيح صدر عن اللّه لأنه في الصف الأول من الأرواح التي صدرت مباشرة عن اللّه، بينما صدر غيره من الأرواح عن اللّه بواسطة العقل الأول أو العقول الكونية الأخرى».
  2. وقال ابن العربي عنه: «هو الروح وهو ابن الروح». وبذلك ميَّزوا المسيح بميّزة تجعله مع اختلاف اعتقاد المسيحيين فيه، كائناً ليس له نظير بين البشر على الإطلاق.ومما تجدر ملاحظته في هذه المناسبة، أن آدم الذي خُلق بواسطة اللّه مباشرة، لم يكتب عنه القرآن أنه روح اللّه، بل كتب عنه أن اللّه نفخ فيه من روحه (السجدة ٩) كما كتبت عنه التوراة من قبل (تكوين ٢: ٧). وشتان بين شخص هو بعينه روح اللّه وآخر كان كمجرد إناء نفخ فيه من روحه.
  3. طهارة مولده: جاء في آل عمران ٣: ٤٢ «وَإِذْ قَالَتِ ٱلْمَلائِكَةُ يَا مَرْيَمُ إِنَّ ٱللَّهَ ٱصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ وَٱصْطَفَاكِ عَلَى نِسَاءِ ٱلْعَالَمِينَ». ومن هذه الآية يتضح لنا أنه قد ميّز العذراء بسبب اختياره إياها أماً للمسيح، بامتياز لم يعطه لغيرها من النساء، الأمر الذي يدل على أن المسيح ليس له نظير بين البشر إطلاقاً.
  4. تسميته :«كلمة اللّه» وإذا تأملنا النساء ٤: ١٧١ «إِنَّمَا ٱلْمَسِيحُ عِيسَى ٱبْنُ مَرْيَمَ رَسُولُ ٱللَّهِ وَكَلِمَتُهُ أَلْقَاهَا إِلَى مَرْيَمَ…». وجدنا أنه لا يستنتج منها أن المسيح خُلق بكلمة اللّه، مثل أي كائن من الكائنات، بل أنه هو ذات «كلمة اللّه»، الأمر الذي لا يشترك معه فيه أحد ما.وقد أشار الكتاب المقدس من قبل، إلى أن المسيح من جهة كونه ابن الانسان، قد أُرسل من عند اللّه أو اللاهوت، ولذلك فانه من هذه الجهة يُدعَى رسول اللّه، لأن رسول اللّه هو الذي يعلن اللّه، والمسيح خير من يعلنه، لأنه صورته كما ذكرنا في الباب الثالث.
  5. وجوده السابق لولادته: وإذا تأملنا أيضاً هذه الآية، اتضح لنا أن قوله عن المسيح أو «الكلمة» إنه أُلقي إلى مريم، يدل على أنه كان موجوداً قبل حلوله في بطنها لأن الشخص لا يُلقى أو يُرسل إلا إذا كان أولاً موجوداً. وبناء على ذلك يكون للمسيح، دون غيره من الكائنات، وجود قبل حلوله في بطن العذراء.
  6. عصمته منذ طفولته: جاء في آل عمران ٣: ٣٦ عن العذراء: «وَإِنِّي أُعِيذُهَا بِكَ وَذُرِّيَّتَهَا مِنَ ٱلشَّيْطَانِ ٱلرَّجِيمِ». وقال الزمخشري في تفسيره لهذه الآية: «ما من مولود يولد إلا والشيطان يمسه حين يولد، فيستهل صارخاً من مس الشيطان إياه، إلا مريم وابنها». وقال الإمام الرازي: «سُمي المسيح بهذا الاسم، لأنه مُسح من الأوزار والآثام».
  7. وقال الإمام البيضاوي: «إن المسيح كان غلاماً طاهراً من الذنوب». ولذلك نرى القرآن مع تسجيله بعض الخطايا للرسل والأنبياء، لا يذكر خطيئة للمسيح في أي دور من أدوار حياته على الأرض.
  8. علمه الذاتي: جاء في المائدة ٥: ١١٠ عن المسيح: «تُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ فِي ٱلْمَهْدِ وَكَهْلاً». وكلامه لهم في المهد دليل واضح على أن علمه ليس مكتسباً من أحد، بل أنه أصليٌّ فيه. وقال الإمام البيضاوي في تعليقه على هذه الآية: «والمعنى.. في كمال العقل» أي أن المسيح كان كاملاً في العقل وهو بعد في المهد.
  9. سلامه الذاتي: جاء في سورة مريم ١٩: ٣٣ على لسان المسيح: «وَٱلسَّلاَمُ عَلَيَّ يَوْمَ وُلِدْتُ ويَوْمَ أَمُوتُ وَيَوْمَ أُبْعَثُ حَيّاً». وبذلك يكون القرآن قد أسند إلى المسيح السلام على نفسه، والسلام عليها في أوقات وظروف لا يستطيع أن يسلم على نفسه فيها مخلوق ما، لأنه ليس هناك بشر يستطيع أن يسلم على نفسه يوم يولد أو يوم يموت، وبذلك يكون قد جعل المسيح في غنى عن أن يسلم عليه غيره (أو بالحري يكون قد جعل سلامه سلاماً ذاتياً)، الأمر الذي لا ينعم به إنسان ما.
  10. بينما يحيى بن زكريا كما ورد في القرآن، لم يسلم على نفسه، بل سلم عليه غيره، فقيل: «وَسَلاَمٌ عَلَيْهِ يَوْمَ وُلِدَ وَيَوْمَ يَمُوتُ وَيَوْمَ يُبْعَثُ حَيّاً» (مريم ١٩: ١٥).
  11. علمه بالغيب: جاء في آل عمران ٣: ٤٩ على لسان المسيح: «وَأُنَبِّئُكُمْ بِمَا تَأْكُلُونَ وَمَا تَدَّخِرُونَ فِي بُيُوتِكُمْ إِنَّ فِي ذَلِكَ لآيَةً لَكُمْ إِنْ كُنْتُمْ مُؤْمِنِينَ».وإذا رجعنا إلى الكتاب المقدس، وجدناه يشهد بتميُّز المسيح بالصفات والخصائص المذكورة أعلاه. فعن عصمته قال إنه «لَمْ يَفْعَلْ خَطِيَّةً، وَلا وُجِدَ فِي فَمِهِ مَكْرٌ، ٱلَّذِي إِذْ شُتِمَ لَمْ يَكُنْ يَشْتِمُ عِوَضاً وَإِذْ تَأَلَّمَ لَمْ يَكُنْ يُهَدِّدُ» (١بطرس ٢: ٢٢ و٢٣). وعن علمه الذاتي قال إنه كان يناقش معلمي اليهود عندما كان في سن الثانية عشرة، وإن كل الذين سمعوه بُهتوا من فهمه وأجوبته (لوقا ٢: ٤٧).
  12. وعن سلامه الذاتي قال إنه «يَفُوقُ كُلَّ عَقْلٍ» (فيلبي ٤: ٧)، وإنه يمنحه لجميع المؤمنين به، فقد قال لتلاميذه: «سَلاماً أَتْرُكُ لَكُمْ. سَلامِي أُعْطِيكُمْ. لَيْسَ كَمَا يُعْطِي ٱلْعَالَمُ أُعْطِيكُمْ أَنَا. لا تَضْطَرِبْ قُلُوبُكُمْ وَلا تَرْهَبْ» (يوحنا ١٤: ٢٧). وعن علمه بالغيب قال إنه كان يعلم كل شيء، كما ذكرنا في الباب الثالث.
  13. قدرته على الخلق: جاء في آل عمران ٣: ٤٩ على لسان المسيح «أَنِّي أَخْلُقُ لَكُمْ مِنَ ٱلطِّينِ كَهَيْئَةِ ٱلطَّيْرِ فَأَنْفُخُ فِيهِ فَيَكُونُ طَيْرَاً بِإِذْنِ ٱللَّهِ».ويسجل الكتاب المقدس أن المسيح أخذ مرة طيناً، ووضعه على عيني شخص وُلد أعمى فأبصر، وبذلك يكون قد خلق له عينين (يوحنا ٩: ٦، ٧). كما أن القول «بإذن اللّه» لا يتعارض مع ما جاء في الكتاب المقدس عن كيفية عمل المسيح للمعجزات، لأنه بوصفه «ابن الانسان» كان يعملها بقوة اللّه، فقد قال «بِإِصْبِعِ ٱللّٰهِ أُخْرِجُ ٱلشَّيَاطِينَ» (لوقا ١١: ٢٠)، أما بوصفه «ابن اللّه» فكان يعملها بإرادته الشخصية بعينها، التي هي إرادة الأقنومين الآخَريْن، أو بالحري إرادة اللّه، كما مر بنا في الباب الرابع، ولذلك كان يقول للأبرص: «أريد فأطهر» فيطهر في الحال (متى ٨: ٣).
  14. إحياؤه للقلوب والأموات: قال الإمام الرازي عن السبب في تسمية المسيح بروح اللّه «سُمي المسيح روح اللّه، لأنه كان السبب لحياة الخلق في أديانهم» وقال الإمام البيضاوي: «سُمي المسيح روح اللّه لأنه كان يحيي الأموات أو القلوب» وكتب جلال الدين الرومى الصوفي موضوعاً مغزاه أنه إذا واظب الإنسان على التضرّع إلى اللّه، أحيته نسمة المسيح وهذّبته وجعلته جميلاً ومباركاً. وقد سجل الكتاب المقدس أن المسيح كان يحيي الموتى بالجسد،
  15. فكان يقول للميت «قم» فيقوم (لوقا ٧: ١٤). كما كان يحيي «الموتى بالروح» أي «الخطاة» إذ كان يعطيهم حياة روحية تظل فيهم إلى الأبد (يوحنا ١٠: ٢٨). وقد اختبر الذين آمنوا به هذه الحياة في نفوسهم منذ إيمانهم به، إذ ارتفعوا بها فوق العالم وأهوائه، وعاشوا حياة التوافق مع اللّه في القداسة والطهارة، الأمر الذي لم يكن ليبلغوه أو يبلغه غيرهم من تلقاء أنفسهم، وذلك بسبب القصور الذاتي الكامن في البشر جميعاً.
  16. جعله آية للناس ورحمة لهم: جاء في سورة مريم ١٩: ٢١ عن المسيح: «وَلِنَجْعَلَهُ آيَةً لِلنَّاسِ وَرَحْمَةً مِنَّا وَكَانَ أَمْراً مَقْضِيّاً» ويفسّر الإمام البيضاوي «وكان أمراً مقضياً»، بأن هذا كان قضاء اللّه في الأزل، فيكون المسيح آية للناس ورحمته لهم، قبل إنشاء العالم.وهذا يتفق مع ما جاء في الكتاب المقدس كل الاتفاق، فقد قال فيه إشعياء النبي سنة ٧٥٠ ق م لليهود: «وَلَكِنْ يُعْطِيكُمُ ٱلسَّيِّدُ نَفْسُهُ آيَةً: هَا ٱلْعَذْرَاءُ تَحْبَلُ وَتَلِدُ ٱبْناً وَتَدْعُو ٱسْمَهُ عِمَّانُوئِيلَ (أي اللّه معنا)» (إشعياء ٧: ١٤). كما شهد جميع الرسل والأنبياء أن المسيح هو رحمة اللّه للناس (لوقا ١: ٧٢، ٧٣)، لأنه هو الذي فداهم وكفر عنهم سيئاتهم.
  17. حكمه بالعدل، وملكه على العالم، ونشره السلام فيه، وقتله الدجال، وقضاؤه على الشيطان، ومحاسبته للناس في الآخرة: قال البخاري: «قال رسول اللّه: والذي نفسي بيده لا يوشكن أن ينزل فيكم ابن مريم حكماً عدلاً». وقال الإمام البيضاوي: «إذا نزل المسيح من السماء آمن به أهل الملل جميعاً». وقال ابن الأثير: «أثناء مُلك المسيح على الأرض يرتع الأسد مع الإبل، والنمر مع البقر، والذئاب مع الغنم، وتلعب الصبيان بالحيات».
  18. وقال أيضاً: «المسيح سينشر السلام في جميع أطراف الأرض». وقال الإمام الرازي: «سيأتي المسيح إلى الأرض عند نهاية العالم ويقتل الدجال». وقال الإمام مسلم: «إن الشيطان عندما يرى عيسى ابن مريم يذوب كما يذوب الملح في الماء». وقال أحمد بن حائط: «المسيح هو الذي يحاسب الخلق في الآخرة».

هذه هي أهم الأعمال والخصائص التي يسندها القرآن ورجال الفلسفة والدين إلى المسيح. وهي وإن كانت لا تدل في نظر الاسلام على شيء سوى أن المسيح كان إنساناً عادياً، يعمل أعماله بقوة اللّه مثل الرسل والانبياء، إلا أنها تدل في نظر الكتاب المقدس على أن المسيح كان هو اللّه ظاهراً أو متجسداً، وذلك للأسباب الآتية:

  1. تدل تسميته بـ «كلمة اللّه» على أنه هو الذي يعلن الله ، وبما أنه لا يعلن الله إلا الله، يكون كلمة الله هو «اللّه»، أو «اللّه ظاهراً». ولذلك قال الكتاب المقدس: «وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (يوحنا ١: ١). وقد شهد ابن العربي بهذه الحقيقة عن الكلمة، فقال: «الكلمة هي اللّه متجلياً لا في زمان معيّن أو مكان، وأنها عين الذات الإلهية لا غيرها» وقال «الكلمة الكلية الجامعة أو العقل الالهي هي اللاهوت».وكان فريق من علماء الكلام يقولون إن كلام اللّه صفة قديمة من صفاته، وإن صفاته هي عين ذاته، وبناء على منطقهم يكون كلام اللّه هو اللّه (أو على الأقل أنه في مرتبة اللّه) كما يمكن أن يستنتج من العبارة المذكورة أعلاه.
  2. وإذا كان الأمر كذلك، لا يكون هناك غبار على الاعتقاد بأن «كلمة اللّه» هو اللّه، لا سيما وأن المراد بـ «كلمة اللّه» ليس كلاماً عادياً، بل هو الأقنوم المعلِن للّه منذ الأزل إلى الأبد. وأرى من جانبي أنه من الممكن أن يُستنتج من الأحاديث القدسية أيضاً أن كلمة اللّه هي اللّه (أو على الأقل أنها في مرتبة اللّه)،
  3. فقد جاء بها: «قال تعالى لا إله إلا اللّه. كلامي وأنا هو، فمن قالها دخل حصني، ومن دخل حصني أمن عقابي» (الاتحافات السنية في الاحاديث القدسية ص ١٠).
  4. يدل تفرُّد المسيح بالوجود قبل حلوله في بطن العذراء على أنه هو اللّه، أو أقنوم من أقانيمه، لأننا إذا اعتبرنا وحدانية اللّه وحدانية مجرّدة أو مطلقة، لا يكون المسيح قد صدر عن اللّه بمعنى أنه خرج منه، لأنه لا يصدر شيء عن كائن إلا إذا كان هذا الكائن مركّباً، واللّه لا تركيب فيه. ولا يكون اللّه قد خلقه من العدم، لأن الخلق، مع اعتبار وحدانية اللّه وحدانية مجرّدة أو مطلقة، يجعله معرّضاً للتطوّر والتغيُّر، وهو لا يتطور ولا يتغير.
  5. وبما أن المسيح لم يصدر عن اللّه أو يُخلَق بواسطته، إذن فهو موجود بذاته. وبما أن الموجود بذاته هو اللّه وحده، تكون وحدانية اللّه وحدانية جامعة مانعة، ويكون المسيح هو أقنوم الكلمة بالنسبة إلى جامعيته، ولذلك قال الكتاب المقدس: «فِي ٱلْبَدْءِ كَانَ ٱلْكَلِمَةُ، وَٱلْكَلِمَةُ كَانَ عِنْدَ ٱللّٰهِ، وَكَانَ ٱلْكَلِمَةُ ٱللّٰهَ» (يوحنا ١: ١).ومما يثبت لنا أيضاً صدق هذه الحقيقة، أنه لا يتوافق مع كمال اللّه أن يكون مجرّداً في الأزل من «كلمة» يعلنه، ثم يتخذ لنفسه «كلمة» بعد ذلك، بل أن يكون متميّزاً بكلمة أو بالحري «بالكلمة» أزلاً، لأنه كامل كل الكمال، ولا يكتسب لنفسه شيئاً على الاطلاق، لأن الاكتساب يدل على التغيُّر، وهو لا يتغير.

    أما الذين يرون ولادة المسيح من عذراء، لا تدل على أن له وجوداً ذاتياً قديماً، فقد قالوا «إن اللّه خلق آدم دون أب أو أم، وجبل حواء من أب دون أم، ولكي يبين قدرته على كل شيء سمح أن يُولد المسيح من أم دون أب»، وللرد على ذلك نقول:

    خلق اللّه آدم دون أب أو أم، لأنه لم يكن قبله رجل أو امرأة يولد منهما، وجبل حواء من آدم لسببين: (١) ليكونا واحداً ولا ينفصل أحدهما عن الآخر إطلاقاً. (٢) لأنه لم تكن قبل حواء امرأة تُولد منها. لكن بعد وجود الذكور والإناث على الأرض لم يبق داعٍ لأن يأتي إنسان من أم دون أب، أو من أب دون أم،أو من دونهما معاً، لأن حكمة اللّه اقتضت وجود الجنسين في بدء الخليقة حتى يتناسل منهما البشر جميعاً. ولذلك لو كان المسيح مجرد إنسان، لما وُلد إلا من أب وأم مثل باقي الناس. أما القول بأن اللّه سمح بولادة المسيح من عذراء ليبيّن قدرته على كل شيء،

  6. فلا يجوز الأخذ به كسبب رئيسي، لأنه لو كان لم يسمح بذلك لما جاز لمخلوق أن يشك في قدرته، إذ أن هذه واضحة كل الوضوح في خلقه للعالم من لا شيء. ولو كانت قدرته هذه لا تتجلى إلا بسماحه بولادة إنسان من عذراء، لكان قد سمح بذلك في أوائل وجود الناس على الأرض حتى يؤمنوا جميعاً بها،
  7. فليس من المعقول أن يكون قد ترك ملايين البشر الذين عاشوا قبل المسيح في شك من جهتها، لأن هذا لا يتفق مع كماله أو عدالته. ولذلك فان هذا التعليل لا يكشف لنا عن السر الحقيقي في ولادة المسيح وحده من عذراء. لكن إذا سلمنا بأن المسيح كان له وجود ذاتي قبل ظهوره في العالم، كما ذكرنا أعلاه، اتضح لنا أنه لم تكن هناك حاجة إلى بذرة حياة من رجل ما ليتكوَّن منها ناسوت المسيح، فكان من البديهي أن يولد من عذراء لم تعرف رجلاً على الاطلاق.
  8. تدل الصفات والأعمال المسندة إلى المسيح في نظر الكتاب المقدس على أنه هو اللّه، لأن اللّه وحده هو الذي لا يخطئ ولا يستطيع الشيطان أن يمسه، لأنه معصوم من الزلل، ولا يمكن أن تقهره قوة ما على فعل ما لا يتفق مع كماله. وهو وحده الذي لا يكتسب شيئاً من العلم، لأن العلم أصلي فيه.
  9. وهو وحده الذي لا يحتاج إلى أن يسلّم عليه أحد، لأن كماله ذاتي وكامل كل الكمال. وهو وحده الذي يعلم الغيب، لأن كل شيء معروف لديه أزلاً. وهو وحده الذي يخلق لأن له القدرة الذاتية على الخَلْق والإبداع. وهو وحده الذي يُحيي القلوب والأموات، لأنه هو الحي والمحيي. وهو وحده مصدر الرحمة للبشر أجمعين، إذ لا حدَّ لرحمته أو محبته على الاطلاق. وهو وحده الذي يقضي على الشيطان ويملك على العالم، لأنه ملك الملوك ورب الأرباب (رومية ١٦: ٢٠).

ويتفق معنا القرآن على ذلك، فجاء به على لسان المسيح للّه: «إِنَّكَ أَنْتَ عَلاّمُ ٱلْغُيُوبِ» (المائدة ٥: ١١٦)، وجاء في سورة لقمان ٣١: ١١ «هَذَا خَلْقُ ٱللَّهِ فَأَرُونِي مَاذَا خَلَقَ ٱلَّذِينَ مِنْ دُونِهِ» ولذلك نرى أن اللّه وإن كان قد منح الأنبياء قدرة على عمل بعض المعجزات، إلا أنه لم يمنح واحداً منهم قدرة على خلق شيء من الأشياء،

لأن الخلق يتطلب من القائم به أن تكون له حياة في ذاته، وليس من له حياة في ذاته سوى اللّه. فإذا رجعنا إلى تاريخ المسيح على الأرض، وجدنا أنه كان يحيي الأموات بسلطانه الشخصي. يقول للميت «قم» فيقوم في الحال (لوقا ٧: ١٤). وهذا بخلاف ما كان يفعله الأنبياء والرسل في مثل هذه الحالة، إذ كانوا يقيمون الموتى بعد التوسل إلى اللّه والتضرع إليه كثيراً (١ملوك ١٧: ٢١، وأعمال ٩: ٤٠). فضلاً عن ذلك فانهم وإن كانوا قد أقاموا بعض الموتى،

إلا أنهم لم يستطيعوا أن يقيموا أنفسهم من الموت، أما المسيح فأقام الموتى بسلطانه الشخصي، كما أقام نفسه من الموت الكفاري الذي ارتضى أن يموته نيابة عن البشر، بسلطانه الشخصي أيضاً.

فإن صحّت هذه المقابلة، كانت المصادر الإسلامية السابق ذكرها متفقة مع الكتاب المقدس من جهة شخصية المسيح إلى حد ما، لأن الكتاب المقدس بجانب إعلانه أن المسيح، من حيث جوهره، هو اللّه، فقد أعلن أنه، من حيث الحالة التي ظهر بها في العالم، هو إنسان. أما إذا لم تصح المقابلة يكون المسيح، بناء على ما ورد في المصادر المذكورة، هو فقط شخص ليس له بين البشر نظير على الإطلاق.

وهذه هي النتيجة التي انتهى إليها معظم الفلاسفة والكتَّاب الذين لا ينتمون إلى المسيحية، أو الذين كانوا ينتمون إليها يوماً، ثم انفصلوا عنها واعتمدوا على آرائهم الشخصية، فقد قال الأستاذ العقاد: «جاء السيد المسيح بصورة جميلة للذات الإلهية» (كتاب «اللّه» ص ١٥٩)، وقال أيضاً «إن مملكة المسيح من غير هذا العالم،

وليست من ممالك الدول والحكومات. فأسلوبه هو أسلوب الآداب والمُثُل العُلْيا، وليس بأسلوب النصوص والقوانين» (عبقرية المسيح ص ١٢٦). وقال سبينوزا اليهودي: «إن حكمة اللّه الخالدة قد تجلّت في الأشياء كلها، ولكنها تجلَّت في عقل الإنسان بصفة خاصة، وفي يسوع المسيح بصفة أخص». وقال أيضاً: «المسيح أجدر الرجال بالحب» (قصة الفلسفة الحديثة ص٤٤، ٦٤٣)، وأيضاً: «اللّه أنزل وحيه على الانسان بألفاظ وصور محسوسة أو متخيلة، ما عدا المسيح، فانه عرف اللّه بدون ألفاظ أو رؤى، إذ اتصل به نفساً لنفس» (تاريخ الفلسفة الحديثة ص ١١١). وقال شوبنهور: «المسيح هو المثل الأعلى لمن يفهم مذهبه حق الفهم»

(تاريخ الفلسفة الحديثة ص ٢٧٥). وقال ستروس: «المسيح باق إلى الأبد عنوان الدين الأسمى، ونموذج الكمال المطلق». وقال أيضاً: «من المحال أن يأتي بعد المسيح من يعلوه أو يدانيه أو يبلغ شأوه في الحياة الروحية» (كتاب المشرع ص ١٦٤، ١٦٥، عن كتابين لهذين العالمين). وقال كيم: «المسيح أعجوبة خارقة للطبيعة».

وقال باركر: «سَرَى من المسيح نور جديد كالنهار ضياء، والسماء علواً، والإله ثباتاً. فهو فوق الفلاسفة والشعراء، وفوق الربانيين وفوق كل شيء من الأشياء». وقال شانينج: «المسيح أعظم من كائن بشري».

وقال فولتير: «ليس بين الحكماء من استطاع أن يغيّر أخلاق الناس الذين عاشوا معه، أما المسيح فغيّر أخلاق المؤمنين به تغييراً تاماً». وقال فرانك: «ليس هناك من استطاع أن يصوّر اللّه بصورة واضحة كما فعل المسيح».

وقال رينان: «مهما جاء به المستقبل من رجال، فان يسوع سيبقى أبداً الرجل الذي لا نظير له، وسوف تشهد جميع الأجيال أنه ليس بين المولودين من النساء من هو أعظم منه».

وقال: «سيظل المسيح إلى الأبد الينبوع الذي لا ينضب، الذي ترتشف منه الإنسانية وتغسل فيه أدرانها، فترتوي وتتجدد».

نشر بتصريح من نداء الرجاء

https://call-of-hope.com

You may also like