الرئيسية تفاسيرالكتاب المقدس ٤ – المواهب الروحية (١كورنثوس ١٢: ١ – ١٤: ٤٠)

٤ – المواهب الروحية (١كورنثوس ١٢: ١ – ١٤: ٤٠)

بواسطة Mousa
91 الآراء

٤ – المواهب الروحية (١كورنثوس ١٢: ١ – ١٤: ٤٠)

في هذا الجزء يتحدث الرسول بولس عن المواهب الروحية، فقد أنبأ الله بأفواه الأنبياء أنه سيسكب روحه على كل بشر، فيتنبأ بنوهم وبناتهم، ويحلم شيوخهم أحلاماً، ويرى شبابهم رؤى، وعلى العبيد أيضاً وعلى الإماء يسكب من روحه (يوئيل ٢: ٢٨ ، ٢٩). وقد وعد المسيح تلاميذه قبل الصليب بأنه سيرسل اليهم المعزي – الروح القدس – ليعلم الكنيسة وليرشدها. وقال بعد قيامته «وَهٰذِهِ ٱلآيَاتُ تَتْبَعُ ٱلْمُؤْمِنِينَ: يُخْرِجُونَ ٱلشَّيَاطِينَ بِٱسْمِي، وَيَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ جَدِيدَةٍ. يَحْمِلُونَ حَيَّاتٍ، وَإِنْ شَرِبُوا شَيْئاً مُمِيتاً لا يَضُرُّهُمْ، وَيَضَعُونَ أَيْدِيَهُمْ عَلَى ٱلْمَرْضَى فَيَبْرَأُونَ» (مرقس ١٦: ١٧ ، ١٨). وقال المسيح قبل صعوده «سَتَتَعَمَّدُونَ بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ، لَيْسَ بَعْدَ هٰذِهِ ٱلأَيَّامِ بِكَثِيرٍ» (أعمال ١: ٥). ولقد تمّت تلك المواعيد منذ يوم الخمسين. وقد امتازت أيام العهد الجديد عن الأيام التي قبلها بكثرة المواهب الروحية التي أعطاها الله للمؤمنين مع تنّوُع تلك المواهب وعمومها، إذ كانت للرجال وللنساء وللشيوخ وللأحداث.

ولا عجب من حدوث تشويش في الكنيسة في مثل هذه الأحوال، فيدَّعي البعض أنهم مُلهَمون بالروح القدس، ويكونون خادعين أو مخدوعين. وبعض المؤمنين لم يكتفوا بما نالوه من المواهب، فحسدوا غيرهم ظانّين أنهم أخذوا مواهب أكثر منهم. وبعضهم انتفخ وتكبَّر بما حصل عليه من المواهب، وطلب لنفسه شهرة. ونتيجة لهذه الأمور كلها حدثت بلبلة في الكنيسة، وتكلم عدة أشخاص منهم في وقت واحد. ولقد وهب الله الرسول بولس حكمة فائقة وألهمه لإصلاح هذا الخطأ. وفي الاصحاحات الثلاثة ١٢ إلى ١٤ من هذه الرسالة يتضح الآتي:

  1. يناقش الرسول بولس المواهب الروحية ويتكلم عن برهانها ومصدرها وهدفها (أصحاح ١٢)
  2. يوضح أن المحبة هي فوق كل المواهب الروحية (أصحاح ١٣)
  3. ثم يقدم قوانين لممارسة المواهب الروحية(أصحاح ١٤)

(أ) برهان المواهب الحقيقية

١ وَأَمَّا مِنْ جِهَةِ ٱلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، فَلَسْتُ أُرِيدُ أَنْ تَجْهَلُوا. ٢ أَنْتُمْ تَعْلَمُونَ أَنَّكُمْ كُنْتُمْ أُمَماً مُنْقَادِينَ إِلَى ٱلأَوْثَانِ ٱلْبُكْمِ، كَمَا كُنْتُمْ تُسَاقُونَ. ٣ لِذٰلِكَ أُعَرِّفُكُمْ أَنْ لَيْسَ أَحَدٌ وَهُوَ يَتَكَلَّمُ بِرُوحِ ٱللّٰهِ يَقُولُ: يَسُوعُ أَنَاثِيمَا. وَلَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: يَسُوعُ رَبٌّ إِلا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ (١كورنثوس ١٢: ١ – ٣).

يذكّر الرسول بولس أهل كورنثوس أنهم قبل الإيمان بالمسيح كانوا يعبدون الأصنام البُكم ويسيرون خلفها على غير هدى. وواضح أن تلك الأوثان لم تقُدْهم إلى الرقي الصحيح، ولم تكن تستطيع أن ترشدهم إلى شيء من الخير. أما الآن فقد تعرَّفوا على المسيح وعلى مواهب الروح القدس، وليس واحد وهو يتكلم بإرشاد الروح القدس وتحت تأثيره يقول «يسوع أناثيما» بمعنى يسوع ملعون. كما أنه لا يستطيع أحد أن يقول «يسوع رب» إلا بالروح القدس. فالروح القدس هو الذي يعمل في الانسان ليدرك لاهوت المسيح ويعترف بيسوع رباً دُفع اليه كل سلطان في السماء وعلى الأرض (متى ٢٨: ١٨) وبعبارة أخرى بأن المسيح هو الله. وقد استُعملت كلمة «رب» عن المسيح في العهد الجديد خمسمائة مرة تقريباً.

عزيزي القارئ، إن يسوع المسيح هو رب – ما في هذا شك. إن كنت تعترف بربوبيته لك وسيادته على حياتك فإن المواهب المعطاة لك هي مواهب حقيقية.

والآن كيف تعرف أن المسيح رب حياتك؟ الإجابة: بمقدار طاعتك لهذا الرب. فإن كنت تدعوه رباً، فمن الواجب أن تعطيه الكرامة اللازمة كسيد للحياة فتطيعه وتنفّذ مشيئته.

آية للحفظ

«لَيْسَ أَحَدٌ يَقْدِرُ أَنْ يَقُولَ: «يَسُوعُ رَبٌّ» إِلا بِٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (١كورنثوس ١٢: ٣)

صلاة

أنت ربي. أنت إلهي. أنت سيدي. أنت ملكي. أنت الذي تمنحني الحياة. أنت الذي تمنحني المواهب. أطلب أيها السيد الصالح أن تعينني لأطيعك و أحبك و أُخضع مشيئتي وإرادتي لك، لتكون أنت الكل في الكل في حياتي. لك أخضع يا سيدي، فاقبل خضوعي وباركني.

سؤال

٣ – إن قال أحد إن عنده مواهب روحية، فما هي علامة صدق كلامه؟

(ب) مصدر المواهب الروحية

٤ فَأَنْوَاعُ مَوَاهِبَ مَوْجُودَةٌ وَلٰكِنَّ ٱلرُّوحَ وَاحِدٌ. ٥ وَأَنْوَاعُ خِدَمٍ مَوْجُودَةٌ وَلٰكِنَّ ٱلرَّبَّ وَاحِدٌ. ٦ وَأَنْوَاعُ أَعْمَالٍ مَوْجُودَةٌ وَلٰكِنَّ ٱللّٰهَ وَاحِدٌ، ٱلَّذِي يَعْمَلُ ٱلْكُلَّ فِي ٱلْكُلِّ. ٧ وَلٰكِنَّهُ لِكُلِّ وَاحِدٍ يُعْطَى إِظْهَارُ ٱلرُّوحِ لِلْمَنْفَعَةِ. ٨ فَإِنَّهُ لِوَاحِدٍ يُعْطَى بِٱلرُّوحِ كَلامُ حِكْمَةٍ. وَلِآخَرَ كَلامُ عِلْمٍ بِحَسَبِ ٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ. ٩ وَلِآخَرَ إِيمَانٌ بِٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ. وَلِآخَرَ مَوَاهِبُ شِفَاءٍ بِٱلرُّوحِ ٱلْوَاحِدِ. ١٠ وَلِآخَرَ عَمَلُ قُّوَاتٍ، وَلِآخَرَ نُبُّوَةٌ، وَلِآخَرَ تَمْيِيزُ ٱلأَرْوَاحِ، وَلِآخَرَ أَنْوَاعُ أَلْسِنَةٍ، وَلِآخَرَ تَرْجَمَةُ أَلْسِنَةٍ. ١١ وَلٰكِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا ٱلرُّوحُ ٱلْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِماً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ (١كورنثوس ١٢: ٤ – ١١).

في هذه الآيات المباركة نرى الثالوث الأقدس الذي يمنح المواهب: الروح واحد. الرب واحد. الله واحد. فالروح هو الروح القدس، الرب هو المسيح، والله هو الآب.

وهناك ثلاثة أسماء للمواهب الروحية هي: مواهب، خِدم، أعمال، بل أن جميعها تستحق أن تُسمى بهذه الأسماء الثلاثة معاً. فإذا نظرنا اليها على أنها عطايا الروح القدس فهي مواهب علامة على رضاه… وإذا نظرنا إليها على أنها من المسيح فهي خِدم نخدم المسيح بها، فهي صلاحيات ووظائف يعيّنها المسيح لنا… وإذا نظرنا إليها على أنها من الله الآب كانت أعمال قدرته.

ونحن نرى أن الله الآب هو مصدر كل تأثير روحي ومنشئه، وأن الله الابن هو رأس الكنيسة الذي يرتّب كل أنواع الخدم لبنيانها، والله الروح القدس يسكن في الكنيسة ويهب أعضاءها ما شاء من المواهب التي تخدم الله بها. لم يذكر الرسول أن واحدة من هذه المواهب من الله الآب، والأخرى من الابن، والثالثة من الروح القدس، ولكنه يقول إن كل هذه البركات هي مواهب الروح القدس، وكلها طرق لخدمة الابن، وكلها آيات قدرة الآب. والله يعطي لكل واحد من المؤمنين ما يُظهر به قوة الروح القدس لنفع الكنيسة، لا لرفع شأن الشخص الذي نال الموهبة. ولذلك قال المسيح إن تلاميذه نور العالم وملح الأرض، فمن اتّخذ مواهب الله وسيلة للفخر والتعظّم يخطئ إلى الله. ولكننا يجب أن نعلم جميعاً أننا مطالبون أن نخدم الله بما أعطانا من مواهب.

ويذكر الرسول بولس في هذه الآيات تسع مواهب:

  1. كلام حكمة
  2. كلام علم

    والمقصود بهاتين هو التكلم بحكمة، وهذا ما قاله الرسول «حكمة الله المكتومة، التي أعلنها لنا بروحه، والذي في أجيال أُخر لم يُعرَّف بها بنو البشر، كما قد أُعلن الآن لرسله القديسين وأنبيائه بالروح» (أفسس ٣: ٥).

  3. إيمان. وهو الإيمان الذى يقدر أن ينقل الجبال.
  4. شفاء. أي شفاء المرضى بطريق غير عادي.
  5. عمل قوات. أي عمل معجزات.
  6. نبّوة. وهي تعني أحياناً الإنباء بالمستقبل، كما فعل أغابيوس(أع ١١: ٢٨) ولكنها غالباً تعني إعلان الحق الإلهي، عندما يعلن الروح القدس للسامعين ما في قلوبهم.
  7. تمييز الأرواح. أي قوة تمييز من يتكلم بإلهام الروح القدس ممن يتكلم من نفسه أو من روح شرير.
  8. أنواع ألسنة. كما قال سفر الأعمال إن كل التلاميذ امتلأوا من الروح القدس وابتدأوا يتكلمون بألسنة أخرى كما أعطاهم الروح أن ينطقوا، حتى تحيَّر السامعون، لأن كل واحد منهم كان يسمعهم يتكلمون لغته التي وُلد فيها (أعمال ٢: ٤ – ١١).
  9. ترجمة ألسنة. وهي القدرة على ترجمة ما يُقال بلغة غير مفهومة للسامعين.

آية للحفظ

«وَلٰكِنَّ هٰذِهِ كُلَّهَا يَعْمَلُهَا ٱلرُّوحُ ٱلْوَاحِدُ بِعَيْنِهِ، قَاسِماً لِكُلِّ وَاحِدٍ بِمُفْرَدِهِ، كَمَا يَشَاءُ» (١كورنثوس ١٢: ١١).

صلاة

أبانا السماوي نشكرك من كل القلب لأن الآب والابن والروح القدس معاً يمنحوننا مواهب وبركات. نشكرك لأن الهدف من هذه المواهب أن نقدم خدمة للكنيسة، لنكون ملحاً للأرض ونوراً للعالم. أبانا نفتح قلوبنا لنتلقى مواهبك وهي عطاياك، ونصلي أن تستخدم مواهبنا لمجدك.

سؤال

٤ – اذكر ثلاث مواهب من المواهب التسع التي ذكرها بولس في ١كورنثوس ١٢

(ج) الهدف من المواهب الروحية

١٢ لأَنَّهُ كَمَا أَنَّ ٱلْجَسَدَ هُوَ وَاحِدٌ وَلَهُ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَكُلُّ أَعْضَاءِ ٱلْجَسَدِ ٱلْوَاحِدِ إِذَا كَانَتْ كَثِيرَةً هِيَ جَسَدٌ وَاحِدٌ، كَذٰلِكَ ٱلْمَسِيحُ أَيْضاً. ١٣ لأَنَّنَا جَمِيعَنَا بِرُوحٍ وَاحِدٍ أَيْضاً ٱعْتَمَدْنَا إِلَى جَسَدٍ وَاحِدٍ، يَهُوداً كُنَّا أَمْ يُونَانِيِّينَ، عَبِيداً أَمْ أَحْرَاراً. وَجَمِيعُنَا سُقِينَا رُوحاً وَاحِداً. ١٤ فَإِنَّ ٱلْجَسَدَ أَيْضاً لَيْسَ عُضْواً وَاحِداً بَلْ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ. ١٥ إِنْ قَالَتِ ٱلرِّجْلُ: لأَنِّي لَسْتُ يَداً لَسْتُ مِنَ ٱلْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذٰلِكَ مِنَ ٱلْجَسَدِ؟ ١٦ وَإِنْ قَالَتِ ٱلأُذُنُ: لأَنِّي لَسْتُ عَيْناً لَسْتُ مِنَ ٱلْجَسَدِ. أَفَلَمْ تَكُنْ لِذٰلِكَ مِنَ ٱلْجَسَدِ؟ ١٧ لَوْ كَانَ كُلُّ ٱلْجَسَدِ عَيْناً، فَأَيْنَ ٱلسَّمْعُ؟ لَوْ كَانَ ٱلْكُلُّ سَمْعاً، فَأَيْنَ ٱلشَّمُّ؟ ١٨ وَأَمَّا ٱلآنَ فَقَدْ وَضَعَ ٱللّٰهُ ٱلأَعْضَاءَ، كُلَّ وَاحِدٍ مِنْهَا فِي ٱلْجَسَدِ، كَمَا أَرَادَ. ١٩ وَلٰكِنْ لَوْ كَانَ جَمِيعُهَا عُضْواً وَاحِداً، أَيْنَ ٱلْجَسَدُ؟ ٢٠ فَٱلآنَ أَعْضَاءٌ كَثِيرَةٌ، وَلٰكِنْ جَسَدٌ وَاحِدٌ. ٢١ لا تَقْدِرُ ٱلْعَيْنُ أَنْ تَقُولَ لِلْيَدِ: لا حَاجَةَ لِي إِلَيْكِ. أَوِ ٱلرَّأْسُ أَيْضاً لِلرِّجْلَيْنِ: لا حَاجَةَ لِي إِلَيْكُمَا. ٢٢ بَلْ بِٱلأَوْلَى أَعْضَاءُ ٱلْجَسَدِ ٱلَّتِي تَظْهَرُ أَضْعَفَ هِيَ ضَرُورِيَّةٌ. ٢٣ وَأَعْضَاءُ ٱلْجَسَدِ ٱلَّتِي نَحْسِبُ أَنَّهَا بِلا كَرَامَةٍ نُعْطِيهَا كَرَامَةً أَفْضَلَ. وَٱلأَعْضَاءُ ٱلْقَبِيحَةُ فِينَا لَهَا جَمَالٌ أَفْضَلُ. ٢٤ وَأَمَّا ٱلْجَمِيلَةُ فِينَا فَلَيْسَ لَهَا ٱحْتِيَاجٌ. لٰكِنَّ ٱللّٰهَ مَزَجَ ٱلْجَسَدَ، مُعْطِياً ٱلنَّاقِصَ كَرَامَةً أَفْضَلَ، ٢٥ لِكَيْ لا يَكُونَ ٱنْشِقَاقٌ فِي ٱلْجَسَدِ، بَلْ تَهْتَمُّ ٱلأَعْضَاءُ ٱهْتِمَاماً وَاحِداً بَعْضُهَا لِبَعْضٍ. ٢٦ فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ. ٢٧ وَأَمَّا أَنْتُمْ فَجَسَدُ ٱلْمَسِيحِ، وَأَعْضَاؤُهُ أَفْرَاداً. ٢٨ فَوَضَعَ ٱللّٰهُ أُنَاساً فِي ٱلْكَنِيسَةِ: أَّوَلاً رُسُلاً، ثَانِياً أَنْبِيَاءَ، ثَالِثاً مُعَلِّمِينَ، ثُمَّ قُّوَاتٍ، وَبَعْدَ ذٰلِكَ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ، أَعْوَاناً، تَدَابِيرَ، وَأَنْوَاعَ أَلْسِنَةٍ. ٢٩ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ رُسُلٌ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ أَنْبِيَاءُ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ مُعَلِّمُونَ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ أَصْحَابُ قُّوَاتٍ؟ ٣٠ أَلَعَلَّ لِلْجَمِيعِ مَوَاهِبَ شِفَاءٍ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ؟ أَلَعَلَّ ٱلْجَمِيعَ يُتَرْجِمُونَ؟ ٣١ وَلٰكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ ٱلْحُسْنَى. وَأَيْضاً أُرِيكُمْ طَرِيقاً أَفْضَلَ (١كورنثوس ١٢ : ١٢ – ٣١).

الهدف من إعطاء المواهب الروحية هو بنيان جسد المسيح، ويشبّه الرسول بولس الكنيسة بأنها جسد: المسيح هو الرأس، وبقية المؤمنين هم أعضاء الجسد. ونجد في هذا التشبيه ست نقاط:

  1. إن الجسد واحد تسكن فيه نفس واحدة. والكنيسة واحدة يسكن فيها روح الله المحيي – لا فرق بين عضو و آخر، لأن الروح القدس واحد.
  2. تظهر وحدة حياة الجسد في أعضائه المختلفة، والروح القدس الساكن في الكنيسة يظهر هذه الوحدة في مواهبها المختلفة.
  3. الجسد واحد مع أن أعضاءه كثيرة، وكذلك الكنيسة واحدة مع أن أعضاءها كثيرون.
  4. يحتاج كل عضو من أعضاء الجسد إلى العضو الآخر، ولكل عضو في الجسد فائدة، ولا يوجد عضو بلا نفع. وكذلك الكنيسة، كل عضو من أعضائها يحتاج إلى العضو الآخر، وكل عضو من أعضائها مكلَّف أن يستعمل المواهب التي أعطاها الله له لينفع بها الكنيسة كلها، وليس لينفع بها نفسه فقط.
  5. أعطى الله كل عضو من أعضاء الجسد موضعاً وعيَّن له عملاً بحسب مشيئته. وهكذا وّزع الله المواهب الروحية على أعضاء الكنيسة وأعطاهم مكانتهم بحسب ما أراد.
  6. هناك أعضاء في الجسد أقل جمالاً من أعضاء أخرى، ولكنها أكثر نفعاً. كذلك مواهب الكنيسة الأقل شهرة هي أكثر فائدة.

وبسبب هذه الأفكار الستة وصل بولس الرسول إلى ثلاث نتائج:

  1. يجب على كل مؤمن أن يقنع بالموهبة التي أعطاها الله له، كما يجب على اليد أو على الرجل أو أي عضو من أعضاء الجسد أن يرضى بمكانه وبعمله.
  2. لا يوجد سبب يجعل أحد المؤمنين يفتخر على مؤمن آخر لأنه يحسب أن الموهبة التي أعطاها الله له أفضل من الموهبة التي أعطاها الله لغيره.
  3. يجب أن يواسي أعضاء الكنيسة أحدهم الآخر ويشارك أحدهم الآخر. فعندما يتألم أحدهم يشترك الباقون معه في الألم، وعندما يفرح أحدهم يشترك الباقون معه في الفرح.

ختم الرسول بولس كلامه بأن ما قاله في المواهب الروحية يصدق أيضاً على خِدم الكنيسة، فخدّام الكنيسة آلات يتكلم الروح القدس ويعمل فيهم. فقد أقام الله في الكنيسة أولاً الرسل، وثانياً الأنبياء، وثالثاً المعلمين، ثم منح بقية الأعضاء موهبة المعجزات، والقدرة على الشفاء، وحُسن الإدارة، والتكلّم بألسنة. وكل واحد من هؤلاء يستطيع أن يقدم خدمة خاصة في المسيح.

ويختم الرسول بولس حديثه في هذا الأصحاح بقوله: «لكن جدّوا للمواهب الحُسنى». والمواهب الحُسنى هي أنفع المواهب للخدمة. فيقول مثلاً: من يتنبأ يبني الكنيسة. إني أريد أن جميعكم تتكلمون بألسنة ولكن بالأَوْلى أن تتنبأوا (١٤: ٤ ، ٥). وهذه المواهب الحسنى هي المواهب التي تبقى، فيقول أما الآن فيثبت الإيمان والرجاء والمحبة (١٣: ١٣) وقد أخطأ مؤمنو كورنثوس باشتهائهم المواهب التي تعطيهم شهرة أكثر مثل التكلّم بألسنة، ولكن الرسول يُريهم طريقاً أفضل من طلب المواهب الخاصة، وهو طلب المحبة التي يتكلم عنها في الأصحاح ١٣. فكأنه يقول: إذا شئتم أن تُظهروا غيرتكم للمسيح ورغبتكم في أن تبنوا كنيسته، فكونوا كاملين في المحبة.

آية للحفظ

«فَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يَتَأَلَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلأَعْضَاءِ تَتَأَلَّمُ مَعَهُ. وَإِنْ كَانَ عُضْوٌ وَاحِدٌ يُكَرَّمُ، فَجَمِيعُ ٱلأَعْضَاءِ تَفْرَحُ مَعَهُ» (١كورنثوس ١٢: ٢٦)

صلاة

أبانا السماوي نشكرك من كل القلب لأنك تريد أن تبني جسدك الذي هو الكنيسة. أشعرنا أيها الآب السماوي أننا أعضاء بعضنا لبعض، وأن لا أحد منا يستطيع أن يستغني عن العضو الآخر، وأن على كل واحد منا أن يبني أخاه في الإيمان، وأن يعاون أخاه ليكون أكثر محبة للآخرين. أبانا ساعدنا لكي نستخدم كل قوة فينا لخدمتك. سامحنا إن احتقرنا أحداً. ساعدنا لنتوب عن الخطية ونطلب أن تمنحنا احتراماً كاملاً للآخرين.

سؤال

٥ – ماذا نتعلم من أن أعضاء الكنيسة هم جسد المسيح؟

(د) المحبة فوق كل المواهب الروحية (١كورنثوس ١٣: ١ – ١٣)

في هذا الأصحاح يتحدث الرسول بولس عن المحبة باعتبار أنها الطريق الأفضل، ولم تُمدح فضيلة في الكتاب المقدس مثل فضيلة المحبة، فالذي يحب الآخرين هو الذي يكمل الناموس. ونرى في هذا الأصحاح ثلاثة أقسام:

  1. دوام المحبة (١ – ٣)
  2. صفات المحبة (٤ – ٧)
  3. تفّوُق المحبة (٨ – ١٣)

(١) دوام المحبة

١ إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلائِكَةِ وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ. ٢ وَإِنْ كَانَتْ لِي نُبُّوَةٌ، وَأَعْلَمُ جَمِيعَ ٱلأَسْرَارِ وَكُلَّ عِلْمٍ، وَإِنْ كَانَ لِي كُلُّ ٱلإِيمَانِ حَتَّى أَنْقُلَ ٱلْجِبَالَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلَسْتُ شَيْئاً. ٣ وَإِنْ أَطْعَمْتُ كُلَّ أَمْوَالِي، وَإِنْ سَلَّمْتُ جَسَدِي حَتَّى أَحْتَرِقَ، وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَلا أَنْتَفِعُ شَيْئاً (١كورنثوس ١٣: ١ – ٣)

بعدما هاجم الرسول بولس حكمة الفلاسفة الكذابين والنجاسة الداعرة، ووبَّخ أهل كورنثوس لأنهم يأخذون خصوماتهم أمام المحاكم، وطلب منهم أن يحترسوا من الشهوانية، أرشدهم إلى وحدة جسد المسيح. وهنا يقودهم إلى قمة الفضائل المسيحية في هذا الأصحاح الذي نسميه نشيد المحبة. ليست المحبة التي يصفها الرسول بولس هي العلاقة بين الجنسين، أو عاطفة الأمومة، أو الاحترام بين الأستاذ وتلميذه، بل محبة الله الأزلية التي انسكبت في قلوب المؤمنين بالمسيح بالروح القدس الذي أعطاه الله لهم. هذه المحبة ليست محبة الثرثار الذي يتكلم بألسنة غريبة، حتى لو استطاع أن يتكلم بأفضل عبارات البلاغة، لأن التكلُّم في محبة الله هو قوة وحياة، وليس كلاماً وليس كبرياء. هل أنت ابن لله تتكلم بلسان أبيك السماوي؟ هل تعلن كلمة تعزية للحزانى، فتضمد جراح المجروحين، وتقدم إنجيل مغفرة الخطية؟ هل أنت ذكي ومتعلم؟ هل تريد أن تعرف أسرار المستقبل؟ هل لديك شهادات عالية في العلوم أو في الآداب؟ هل أنت شخصية بارزة؟ هل أنت رجل إيمان حتى يستجيب الله صلواتك وينجز بك المعجزات؟

إن لم تكن فيك محبة فإنك لست شيئاً. إن عِلْمك لا يخلّص إنساناً، ولكن الذي يخلص هو شهادتك للمسيح المحب الذي مات مصلوباً من أجل المجرمين. ومحبة المسيح العظيمة جعلته يضحي بكل شيء وينازل عن مجده ليموت ليفدينا. فليست محبة المسيح نظرية لكنها محبة عملية. فبأي طريقة تُظهر محبتك للمسيح وللآخرين؟ هل تضحي بمالك وقوتك؟ هل تبدي عطفاً على غير المستحقين؟ ليست التضحية هي المحبة. إن كثيرين من الناس يضحّون باطلاً ليربحوا السماء، وهم لا يربحونها. لكن الذي يضحي بحياته، شكراً للمسيح المصلوب، هو الذي يحب الآخرين فعلاً، لأنه يحذو حذو المسيح. فإن أطعم إنسان كل أمواله للفقراء، وإن سلم إنسان جسده من أجل المسيح حتى احترق هذا الجسد، دون أن يكون في قلبه حب للمسيح وللآخرين، فهو لن ينتفع بشيء.

آية للحفظ

«إِنْ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةِ ٱلنَّاسِ وَٱلْمَلائِكَةِ وَلٰكِنْ لَيْسَ لِي مَحَبَّةٌ، فَقَدْ صِرْتُ نُحَاساً يَطِنُّ أَوْ صَنْجاً يَرِنُّ» (١كورنثوس ١٣: ١)

صلاة

يا أبي السماوي حررني من أنانيتي، واغفر لي كثرة كلامي الذي يخرج من فمي بدون محبة. طهرني من افتخاري بما أعمله، وساعدني حتى في نعمة الروح القدس أخدم الآخرين الخدمة الحقيقية بمحبتك أنت التي تسكبها في قلبي بالروح القدس الذي أعطيته لي.

سؤال

٦ – لماذا يقول الإنجيل إن الإحسان بدون المحبة ليس شيئاً؟

(١) صفات المحبة

٤ ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ. ٱلْمَحَبَّةُ لا تَحْسِدُ. اَلْمَحَبَّةُ لا تَتَفَاخَرُ، وَلا تَنْتَفِخُ، ٥ وَلا تُقَبِّحُ، وَلا تَطْلُبُ مَا لِنَفْسِهَا، وَلا تَحْتَدُّ، وَلا تَظُنُّ ٱلسُّؤَ، ٦ وَلا تَفْرَحُ بِٱلإِثْمِ بَلْ تَفْرَحُ بِٱلْحَقِّ. ٧ وَتَحْتَمِلُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتُصَدِّقُ كُلَّ شَيْءٍ، وَتَرْجُو كُلَّ شَيْءٍ، وَتَصْبِرُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ ٨ اَلْمَحَبَّةُ لا تَسْقُطُ أَبَداً (١كورنثوس ١٣: ٤ -٧).

في هذه الآيات يذكر الرسول بولس خمس عشرة صفة للمحبة. سبع منها إيجابية، وثماني سلبية. ولم يقصد الرسول بولس أن يقدم كل صفات المحبة، لكنه اقتصر على الصفات التي تنفع أهل كورنثوس لاستعمال مواهبهم الروحية استعمالاً صالحاً.

  1. المحبة تتأنى. بمعنى أنها تصبر على التعدي والإساءة. وهي صفة من صفات الله لأنه رحيم ورؤوف، طويل الروح الكثير الرحمة (مز ١٠٣: ٨).
  2. والمحبة ترفق. والرفق هو اللطف الذي يجعل صاحبه حنوناً بعيداً عن القسوة والعنف. وقد قال الرسول بولس إن لطف الله إنما يقتادك إلى التوبة.
  3. المحبة لا تحسد. أي لا تحزن إذا حصل غيرها على نفع لم تحصل عليه هي. وقد قال إمام الحكماء سليمان: «نَخْرُ ٱلْعِظَامِ ٱلْحَسَدُ» (أمثال ١٤: ٣٠).
  4. المحبة لا تتفاخر. والشخص الذي يدَّعي أنه صالح ويطلب مدح الناس و الشهرة هو الذي يتفاخر، وقد طلب منا المسيح حين نفعل الخير ألا نعرّف شمالنا ما تفعل يميننا.
  5. والمحبة لا تنتفخ. والمنتفخ هو الذي يعجب بنفسه، و يظن أنه أفضل من غيره حكمة وصلاحاً. ولعل أهل كورنثوس تفاخروا وانتفخوا بالمواهب التي امتازوا بها. أما المحبة فهي لا تنتفخ.
  6. والمحبة لا تقبّح. بمعنى أنها لا تعمل شيئاً تستحي منه لأنه يخالف الأخلاقيات. فالمحبة تجعل الناس يقومون بالواجبات نحو بعضهم البعض بدون أن يضايق أحدهم الآخر.
  7. والمحبة لا تطلب ما لنفسها. كما قال الرسول بولس « أَنَا أَيْضاً أُرْضِي ٱلْجَمِيعَ فِي كُلِّ شَيْءٍ، غَيْرَ طَالِبٍ مَا يُوافِقُ نَفْسِي، بَلِ ٱلْكَثِيرِينَ، لِكَيْ يَخْلُصُوا» (١كورنثوس ١٠: ٣٣) وقال أيضاً «وَادِّينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً بِٱلْمَحَبَّةِ ٱلأَخَوِيَّةِ، مُقَدِّمِينَ بَعْضُكُمْ بَعْضاً فِي ٱلْكَرَامَةِ» (رومية ١٢: ١٠).
  8. المحبة لا تحتد. بمعنى أن الشخص الذي يحب لا يفقد أعصابه ولا يغضب ولكنه يضبط نفسه.
  9. والمحبة لا تظن السوء. فهي لا تتوهم أن غيرها يريد أن يضرّها، فإذا تعدى أحد اعتذرت عنه لأنه فعل ما فعل عن جهالة، كما قال المسيح «َيا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ» (لوقا ٢٣: ٣٤) وكما صلى استفانوس «يَا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هٰذِهِ ٱلْخَطِيَّةَ» (أعمال ٧: ٦٠). وقد قال الله على فم النبي زكريا «وَلا يُفَكِّرَنَّ أَحَدٌ فِي ٱلسُّوءِ عَلَى قَرِيبِهِ فِي قُلُوبِكُمْ» (زكريا ٨: ١٧).
  10. والمحبة لا تفرح بالإثم بل تفرح بالحق. كما قال المسيح لملاك كنيسة أفسس «أَنَا عَارِفٌ أَعْمَالَكَ وَتَعَبَكَ وَصَبْرَكَ، وَأَنَّكَ لا تَقْدِرُ أَنْ تَحْتَمِلَ ٱلأَشْرَارَ» (رؤيا ٢: ٢).
  11. والمحبة تحتمل كل شيء من التعديات التي تقع عليها شخصياً. وقد قال امام الحكماء سليمان «اَلْبُغْضَةُ تُهَيِّجُ خُصُومَاتٍ، وَٱلْمَحَبَّةُ تَسْتُرُ كُلَّ ٱلذُّنُوبِ» (أمثال ١٠: ١٢).
  12. والمحبة تصدق كل شيء. بمعنى أنها تصدق بأن في كل إنسان شيئاً من الخير، وهذه أفضل وسيلة لإنماء الخير في نفس الإنسان، كما فعل المسيح عندما صدّق أن في يهوذا شيئاً من الخير، وحاول حتى آخر لحظة أن يعطيه فرصةً للتوبة. وقد آمن برنابا أن بمرقس شيئاً من الخير. وبالرغم من أن مرقس ترك الخدمة وعاد إلى بيته، إلا أن برنابا اصطحبه في رحلة تبشيرية أخرى. ولعل بولس تأمل فيما بعد وأسف على موقفه إزاء مرقس فشهد عنه شهادة طيبة (٢تيموثاوس ٤: ١١).
  13. والمحبة ترجو كل شيء. فحين يرتكب الناس الأخطاء. تعلّمنا المحبة أن نُحسن الظن بهم وننتظر الأفضل منهم. وكل من يحب المسيح يرجو امتداد ملكوته في العالم وسرعة مجيئه ثانية، وهكذا ترجو المحبة كل شيء صالح.
  14. والمحبة تصبر على كل شيء من الاضطهادات والمتاعب من أجل البر. كما قيل «الذي فيه (أي في الإنجيل) أحتمل المشقّات حتى القيود كمذنب، لأجل ذلك أنا أصبر على كل شيء» (٢كورنثوس ٢: ٩، ١٠). وقد قيل عن المسيح «تَذَلَّلَ وَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُ، كَشَاةٍ تُسَاقُ إِلَى ٱلذَّبْحِ، وَكَنَعْجَةٍ صَامِتَةٍ أَمَامَ جَاّزِيهَا فَلَمْ يَفْتَحْ فَاهُت» (اشعياء ٥٣: ٧).
  15. المحبة لا تسقط أبداً. فالمحبة أعظم من كل المواهب الروحية المختصة بحياتنا الحاضرة، لأنها تقترن بالحياة الخالدة في السماء. إنها مستيقظة دائماً، تقتنص كل فرصة لتعمل الخير، كما نجد السامري الصالح وهو يساعد اليهودي الجريح.

آية للحفظ

«ٱلْمَحَبَّةُ تَتَأَنَّى وَتَرْفُقُ» (١كورنثوس ١٣: ٤) (حاول أن تحفظ غيباً كل الأصحاح)

صلاة

أبانا السماوي أرجو أن تضع في داخلي صفات المحبة. انزع مني كل ما لا يتناسب مع محبتك التي سكبتها في قلبي بالروح القدس. أعطني أن أتأنَّي وأكون رفيقاً. ساعدني لأفرح بالحق وأحتمل كل شيء وأصدق كل شيء. ساعدني لأرى أن المحبة لا تسقط أبداً. أعطني نَفَساً طويلاً في المحبة لأمارسها وأعيشها في كل وقت. اكراماً للمسيح الذي عاش هذه المحبة فعلاً.

سؤال

٧ – ما معنى أن المحبة تصدّق كل شىء وترجو كل شىء؟

٣ – تفّوُق المحبة

٨ اَلْمَحَبَّةُ لا تَسْقُطُ أَبَداً. وَأَمَّا ٱلنُّبُّوَاتُ فَسَتُبْطَلُ، وَٱلأَلْسِنَةُ فَسَتَنْتَهِي، وَٱلْعِلْمُ فَسَيُبْطَلُ. ٩ لأَنَّنَا نَعْلَمُ بَعْضَ ٱلْعِلْمِ وَنَتَنَبَّأُ بَعْضَ ٱلتَّنَبُّؤِ. ١٠ وَلٰكِنْ مَتَى جَاءَ ٱلْكَامِلُ فَحِينَئِذٍ يُبْطَلُ مَا هُوَ بَعْضٌ. ١١ لَمَّا كُنْتُ طِفْلاً كَطِفْلٍ كُنْتُ أَتَكَلَّمُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْطَنُ، وَكَطِفْلٍ كُنْتُ أَفْتَكِرُ. وَلٰكِنْ لَمَّا صِرْتُ رَجُلاً أَبْطَلْتُ مَا لِلطِّفْلِ. ١٢ فَإِنَّنَا نَنْظُرُ ٱلآنَ فِي مِرْآةٍ فِي لُغْزٍ، لٰكِنْ حِينَئِذٍ وَجْهاً لِوَجْهٍ. ٱلآنَ أَعْرِفُ بَعْضَ ٱلْمَعْرِفَةِ، لٰكِنْ حِينَئِذٍ سَأَعْرِفُ كَمَا عُرِفْتُ. ١٣ أَمَّا ٱلآنَ فَيَثْبُتُ ٱلإِيمَانُ وَٱلرَّجَاءُ وَٱلْمَحَبَّةُ، هٰذِهِ ٱلثَّلاثَةُ وَلٰكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ ٱلْمَحَبَّةُ (١كورنثوس ١٣: ٨ – ١٣)

في هذا الجزء الأخير من نشيد المحبة يتكلم الرسول بولس عن تفّوق المحبة. سيجىء يوم تُبطل فيه النبوات لأنها تمت. والتكلّم بألسنة سينتهي لأننا في المجد لا نحتاج الى لغات أخرى. والعلم سيُبطل لأننا في السماء سنجد أن الجميع متعلمون من الله. ونحن الآن نعلم بعض العِلم، ونتنبأ بعض التنبؤ، ولكن عندما يجئ المسيح يبطل هذا الجزئي، ويعطينا الله الكمال المطلق في كل شيء. فمعرفتنا ناقصة ومواعظنا ليست كاملة، لكننا نتوقع اليوم الذي فيه نُكمَل بالمسيح. ويمضي الرسول فيقول: لما كنت طفلاً كطفل كنت أتكلم بألفاظ بسيطة تناسب قليل العلم. وكطفل كنت أفطن، وكانت أفكاري أفكار الأطفال. لكن عندما أنمو وأزيد في النعمة فإني أُبطل ما للطفل.

ويقول الرسول إننا الآن ننظر في مرآة. وقد كانت المرايا في تلك الأوقات صفائح معدنية مصقولة تظهر فيها صورة الإنسان غامضة غير واضحة، فكأنها لغز لا يستطيع أن يتبيَّن كل ما فيها. ويقصد الرسول أن الرؤيا عندنا الآن غير واضحة، لكن عندما نذهب إلى المجد فإننا سنرى المسيح وجهاً لوجه (١يوحنا ٣: ٢). ولذلك فإن معرفتنا الآن محدودة ناقصة، أما معرفتنا هناك فستكون كاملة مثلما عرَفَنا الله. وهكذا فإننا نحتاج لثبوت ثلاثة أشياء:

«يثبت الإيمان» الذي هو ثقتنا في الله – «يثبت الرجاء» الذي هو انتظارنا في الله. وتثبت المحبة. ولكن سيجئ اليوم الذي فيه ينتهي الإيمان ويصبح عياناً. و ينتهي الرجاء لأنه قد تحقق. أما المحبة فهي الباقية دائماً أبداً. المحبة لا تسقط أبداً، وعلى ذلك فإنها أعظم هذه جميعها.

عزيزي القارئ، مهما كانت مواهبك فهي لابد أن تتوقف عن العمل يوماً. أما المحبة فهي الباقية دائماً. مهما كنت عظيماً في ما أعطاك الله فلابد أنه سينتهي. أما إن كنت في محبة المسيح فإن هذه المحبة هي التي ستبقى معك وفيك دائماً وأبداً . «اَللّٰهُ مَحَبَّةٌ، وَمَنْ يَثْبُتْ فِي ٱلْمَحَبَّةِ يَثْبُتْ فِي ٱللّٰهِ وَٱللّٰهُ فِيهِ» (١يوحنا ٤: ١٦).

آية للحفظ

«أَمَّا ٱلآنَ فَيَثْبُتُ ٱلإِيمَانُ وَٱلرَّجَاءُ وَٱلْمَحَبَّةُ، هٰذِهِ ٱلثَّلاثَةُ وَلٰكِنَّ أَعْظَمَهُنَّ ٱلْمَحَبَّةُ» (١كورنثوس ١٣: ١٣)

صلاة

يا أبي السماوي أشكرك من كل القلب لأن المحبة هي صفتك فإنك أنت محبة. علّمني أن أتمثّل بك وأن أحبك. لا تسمح أن أغتر بما عندي من أشياء باطلة ستنتهي. أعطني أن أحبك بكل قلبي، وأن أحب الآخرين بكل نفسي، فإن هذا هو الذي سيبقى.

سؤال

٨ -اشرح كيف أن الايمان سيُبطل والرجاء سيُبطل ولكن المحبة ستبقى.

(هـ) وصايا عن ممارسة المواهب الروحية (١كورنثوس ١٤: ١ – ٤٠)

في هذا الأصحاح يقدم الرسول بولس وصايا عن ممارسة المواهب الروحية واستعمالها. فيتكلم عن أمرين رئيسيين:

  1. إن التنبؤ والوعظ أفضل من التكلُّم بألسنة (١ – ٢٥)
  2. طريقة استخدام المواهب الروحية في اجتماعات العبادة (٢٦ – ٤٠)

١ – الوعظ أفضل من التكلم بألسنة

١ اِتْبَعُوا ٱلْمَحَبَّةَ، وَلٰكِنْ جِدُّوا لِلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ، وَبِٱلأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا. ٢ لأَنَّ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ لا يُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ بَلِ ٱللّٰهَ، لأَنْ لَيْسَ أَحَدٌ يَسْمَعُ. وَلٰكِنَّهُ بِٱلرُّوحِ يَتَكَلَّمُ بِأَسْرَارٍ. ٣ وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيُكَلِّمُ ٱلنَّاسَ بِبُنْيَانٍ وَوَعْظٍ وَتَسْلِيَةٍ. ٤ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ يَبْنِي نَفْسَهُ، وَأَمَّا مَنْ يَتَنَبَّأُ فَيَبْنِي ٱلْكَنِيسَةَ. ٥ إِنِّي أُرِيدُ أَنَّ جَمِيعَكُمْ تَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، وَلٰكِنْ بِٱلأَوْلَى أَنْ تَتَنَبَّأُوا. لأَنَّ مَنْ يَتَنَبَّأُ أَعْظَمُ مِمَّنْ يَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ، إِلا إِذَا تَرْجَمَ، حَتَّى تَنَالَ ٱلْكَنِيسَةُ بُنْيَاناً. ٦ فَٱلآنَ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، إِنْ جِئْتُ إِلَيْكُمْ مُتَكَلِّماً بِأَلْسِنَةٍ، فَمَاذَا أَنْفَعُكُمْ، إِنْ لَمْ أُكَلِّمْكُمْ إِمَّا بِإِعْلانٍ، أَوْ بِعِلْمٍ، أَوْ بِنُبُّوَةٍ، أَوْ بِتَعْلِيمٍ؟ ٧ اَلأَشْيَاءُ ٱلْعَادِمَةُ ٱلنُّفُوسِ ٱلَّتِي تُعْطِي صَوْتاً: مِزْمَارٌ أَوْ قِيثَارَةٌ، مَعَ ذٰلِكَ إِنْ لَمْ تُعْطِ فَرْقاً لِلنَّغَمَاتِ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا زُمِّرَ أَوْ مَا عُزِفَ بِهِ؟ ٨ فَإِنَّهُ إِنْ أَعْطَى ٱلْبُوقُ أَيْضاً صَوْتاً غَيْرَ وَاضِحٍ، فَمَنْ يَتَهَيَّأُ لِلْقِتَالِ؟ ٩ هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً إِنْ لَمْ تُعْطُوا بِٱللِّسَانِ كَلاماً يُفْهَمُ، فَكَيْفَ يُعْرَفُ مَا تُكُلِّمَ بِهِ؟ فَإِنَّكُمْ تَكُونُونَ تَتَكَلَّمُونَ فِي ٱلْهَوَاءِ! ١٠ رُبَّمَا تَكُونُ أَنْوَاعُ لُغَاتٍ هٰذَا عَدَدُهَا فِي ٱلْعَالَمِ، وَلَيْسَ شَيْءٌ مِنْهَا بِلا مَعْنىً. ١١ فَإِنْ كُنْتُ لا أَعْرِفُ قُّوَةَ ٱللُّغَةِ أَكُونُ عِنْدَ ٱلْمُتَكَلِّمِ أَعْجَمِيّاً، وَٱلْمُتَكَلِّمُ أَعْجَمِيّاً عِنْدِي. ١٢ هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ، ٱطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ ٱلْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا. ١٣ لِذٰلِكَ مَنْ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ فَلْيُصَلِّ لِكَيْ يُتَرْجِمَ. ١٤ لأَنَّهُ إِنْ كُنْتُ أُصَلِّي بِلِسَانٍ، فَرُوحِي تُصَلِّي، وَأَمَّا ذِهْنِي فَهُوَ بِلا ثَمَرٍ. ١٥ فَمَا هُوَ إِذاً؟ أُصَلِّي بِٱلرُّوحِ وَأُصَلِّي بِٱلذِّهْنِ أَيْضاً. أُرَتِّلُ بِٱلرُّوحِ وَأُرَتِّلُ بِٱلذِّهْنِ أَيْضاً. ١٦ وَإِلا فَإِنْ بَارَكْتَ بِٱلرُّوحِ، فَٱلَّذِي يُشْغِلُ مَكَانَ ٱلْعَامِّيِّ، كَيْفَ يَقُولُ آمِينَ عِنْدَ شُكْرِكَ؟ لأَنَّهُ لا يَعْرِفُ مَاذَا تَقُولُ! ١٧ فَإِنَّكَ أَنْتَ تَشْكُرُ حَسَناً! وَلٰكِنَّ ٱلآخَرَ لا يُبْنَى. ١٨ أَشْكُرُ إِلٰهِي أَنِّي أَتَكَلَّمُ بِأَلْسِنَةٍ أَكْثَرَ مِنْ جَمِيعِكُمْ. ١٩ وَلٰكِنْ فِي كَنِيسَةٍ أُرِيدُ أَنْ أَتَكَلَّمَ خَمْسَ كَلِمَاتٍ بِذِهْنِي لِكَيْ أُعَلِّمَ آخَرِينَ أَيْضاً، أَكْثَرَ مِنْ عَشْرَةِ آلافِ كَلِمَةٍ بِلِسَانٍ. ٢٠ أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ، لا تَكُونُوا أَوْلاداً فِي أَذْهَانِكُمْ، بَلْ كُونُوا أَوْلاداً فِي ٱلشَّرِّ، وَأَمَّا فِي ٱلأَذْهَانِ فَكُونُوا كَامِلِينَ. ٢١ مَكْتُوبٌ فِي ٱلنَّامُوسِ: إِنِّي بِذَوِي أَلْسِنَةٍ أُخْرَى وَبِشِفَاهٍ أُخْرَى سَأُكَلِّمُ هٰذَا ٱلشَّعْبَ، وَلا هٰكَذَا يَسْمَعُونَ لِي يَقُولُ ٱلرَّبُّ. ٢٢ إِذاً ٱلأَلْسِنَةُ آيَةٌ لا لِلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِغَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ. أَمَّا ٱلنُّبُّوَةُ فَلَيْسَتْ لِغَيْرِ ٱلْمُؤْمِنِينَ، بَلْ لِلْمُؤْمِنِينَ. ٢٣ فَإِنِ ٱجْتَمَعَتِ ٱلْكَنِيسَةُ كُلُّهَا فِي مَكَانٍ وَاحِدٍ، وَكَانَ ٱلْجَمِيعُ يَتَكَلَّمُونَ بِأَلْسِنَةٍ، فَدَخَلَ عَامِّيُّونَ أَوْ غَيْرُ مُؤْمِنِينَ، أَفَلا يَقُولُونَ إِنَّكُمْ تَهْذُونَ؟ ٢٤ وَلٰكِنْ إِنْ كَانَ ٱلْجَمِيعُ يَتَنَبَّأُونَ، فَدَخَلَ أَحَدٌ غَيْرُ مُؤْمِنٍ أَوْ عَامِّيٌّ، فَإِنَّهُ يُوَبَّخُ مِنَ ٱلْجَمِيعِ. يُحْكَمُ عَلَيْهِ مِنَ ٱلْجَمِيعِ. ٢٥ وَهٰكَذَا تَصِيرُ خَفَايَا قَلْبِهِ ظَاهِرَةً. وَهٰكَذَا يَخِرُّ عَلَى وَجْهِهِ وَيَسْجُدُ لِلّٰهِ، مُنَادِياً أَنَّ ٱللّٰهَ بِٱلْحَقِيقَةِ فِيكُمْ (١كورنثوس ١٤: ١ – ٢٥).

يطلب الرسول من المؤمنين في كورنثوس أن يتبعوا المحبة وأن لا يفارقوها لأنها أعظم الفضائل، وأن يجدّوا للمواهب الروحية. فلتكن المحبة قصدهم الأول، ولتكن المواهب قصدهم الثاني. ويقول «الأَوْلى أن تتنبأوا» والتنبؤ هو الوعظ «أما من يتنبأ فيكلّم الناس ببُنيان ووعظ وتسلية» (آية ٣). ويبدو أن مسيحيي كورنثوس فضّلوا التكلم بألسنة على التنبؤ. والرسول يوضح لهم أن التنبؤ والوعظ أفضل كثيراً من التكلم بألسنة، لأن الشخص الذي يعظ يكلم الناس بكلمة الله، بينما الذي يتكلم بألسنة يكلم الله ويبني نفسه. المتكلم بألسنة لا ينفع سوى نفسه، أما من يتنبّأ فهو ينفع الكنيسة كلها. ويقول الرسول إنه يريد أن جميع المؤمنين يتكلمون بألسنة. لكن الأفضل أنهم يعظون ويشهدون، لأن الذي يتنبأ أعظم من الذي يتكلم بألسنة، إلا إذا وُجد الذي يترجم كلام هذا الشخص بلغة مفهومة يدركها الجميع. ويتساءل الرسول: إذا جئت إليكم أنا متكلماً بألسنة، فما هي الفائدة التي تأخذونها مني؟ إن الأفضل لي أن أكلمكم بإعلان أو بعلم أو بنبوة أو بتعليم(آية ٦) فالأفضل لو جاء الرسول إليهم كنبي يعلن إعلاناً من الله، أو كمعلم يعلِّمهم ما تعلَّمه من الله. أما إن خاطبهم بلغة غريبة، فأيَّ فائدة يستفيدون؟

ويضرب الرسول مثلاً من آلات الطرب: لو أن أحداً بّوَق ببوق أو عزف على قيثارة فلم تُخرج أنغاماً متميزة بعضها عن بعض. فكيف نعرف اللحن المعزوف بها؟ ولو أخرج البوق صوتاً مشّوَشاً، فمن يتأهب للقتال؟ ألا يذهب كلام الشخص الذي يتكلم في الهواء؟ لا يفهمه أحد!

ويضرب الرسول مثلاً آخر: لنفترض أن هناك شخصاً أجنبياً يتكلم إلينا. هل نستفيد مما يقول؟ إذا جهلت معنى الألفاظ التي ينطق بها فإنني لا أدرك شيئاً مما يقوله لي.

إن الذي يتكلم بألسنة يهلل لله ويسبح ويصلي، ولكن الجالسين من حوله لا يستطيعون أن يقولوا «آمين» ولا يعبّرون عن تفاعلهم مع ما قال، لأنهم لا يفهمونه. إنه يشكر حسناً، ولكن الشخص الآخر الذي يسمع لا يُبنى، لأنه لا يدرك معنى الكلام. ويقول الرسول: عندما نصلي باللسان فالروح تصلي، أما الذهن فهو بلا ثمر، بمعنى أنه لا يُشبع حاجات الآخرين. ولذلك يقول إنه من الأفضل أن أصلي وأرتل بالروح وبالذهن أيضاً – أي أنني أتكلم بكلمات روحية عميقة من إرشاد الروح القدس بلغة لا أفهمها، فقلبي يحمد الله. وعندما يُترجَم هذا الذي أقوله، أو عندما أقوله بلغة غير مفهومة عند السامعين، فإنني بذهني وفكري أصلي وأرتل. ولذلك فان الشخص الذي يتكلم بألسنة يجب أن يصلي لينال هو أو غيره موهبة ترجمة الألسنة. ويفضّل الرسول بولس أن يتكلم الإنسان خمس كلمات بلغة غير مفهومة يدركها السامعون أفضل من عشرة آلاف كلمة بلغة مجهولة. ولذلك فإن على المؤمنين أن يدركوا الأهمية الزائدة للمواهب النافعة مثل الوعظ. وأن يدركوا أن موهبة التكلم بألسنة موهبة أقل نفعاً.

ويقتبس الرسول قولاً جاء في اشعياء ٢٨: ١١ ، ١٢ وهو أنه مكتوب في الناموس إني بذوي ألسنة أخرى وبشفاه أخرى سأكلم هذا الشعب، ولا هكذا يسمعون لي يقول الرب. والقول هنا عن لسان الأمة اليهودية وقت السبي، عندما عاشوا وسط الأشوريين لا يفهمون لغتهم، فكان ذلك عقاباً لهم.

ويقول الرسول إن الألسنة ليست آية للمؤمنين. لأن المؤمنين يدركون معاني الدين المسيحي. لكنها آية لغير المؤمنين الذين يحتاجون أن يسمعوا حقائق الدين المسيحي. أما النبوة – أي تفسير كلام الله والتعليم الديني – فهي لا تنفع غير المؤمنين، لأنهم غير مستعدين لهذا التعليم، لكنها تنفع المؤمنين المستعدين لأن يستمعوا لكلمة الله ولأن يعملوا بها. و يختم الرسول حديثه هنا بقوله: «إذا اجتمع المؤمنون وتكلم كل واحد بلغة غير مفهومة، كان تأثير ذلك ضاراً. لكن إذا تكلم كل واحد بإرشاد الروح القدس بكلام مفهوم، اقتنع السامعون وتجددوا وتمجد الله».

لقد سعى أهل كورنثوس وراء مواهب تنفخهم، يتكبرون بها على بعضهم البعض. والرسول هنا يطلب منهم بإرشاد الروح القدس أن يجدّوا إلى ما هو أفضل وإلى ما هو أكثر خدمة للآخرين… إلى المحبة وإلى الشهادة الواضحة للمسيح.

آية للحفظ

«هٰكَذَا أَنْتُمْ أَيْضاً، إِذْ إِنَّكُمْ غَيُورُونَ لِلْمَوَاهِبِ ٱلرُّوحِيَّةِ، ٱطْلُبُوا لأَجْلِ بُنْيَانِ ٱلْكَنِيسَةِ أَنْ تَزْدَادُوا» (١كورنثوس ١٤: ١٢)

صلاة

يا أبانا السماوي نقدم إليك شكرنا لأنك تريدنا أن نوصّل رسالتك للنفوس المحتاجة بكلمات مفهومة يدركها المحيطون بنا. أعطنا وضوحاً في إعلاننا للحق الالهي، في سلوكنا وتصرفنا الذي يرضيك، وبكلامك الواضح الذي ينقل كلمة محبتك للنفوس. ربنا ساعدنا لكي لا نهتم لأنفسنا أن نبني أنفسنا فقط، بل لنهتم بالآخرين أيضاً حتى لا نكون أنانيين، بل نفكر في احتياجات الآخرين.

سؤال

٩ – اذكر سبباً لأجله ترى أن الوعظ أفضل من التكلّم بألسنة.

٢ – طريقة استخدام المواهب الروحية في اجتماعات العبادة

٢٦ فَمَا هُوَ إِذاً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ؟ مَتَى ٱجْتَمَعْتُمْ فَكُلُّ وَاحِدٍ مِنْكُمْ لَهُ مَزْمُورٌ، لَهُ تَعْلِيمٌ، لَهُ لِسَانٌ، لَهُ إِعْلانٌ، لَهُ تَرْجَمَةٌ: فَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ لِلْبُنْيَانِ. ٢٧ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَتَكَلَّمُ بِلِسَانٍ، فَٱثْنَيْنِ ٱثْنَيْنِ، أَوْ عَلَى ٱلأَكْثَرِ ثَلاثَةً ثَلاثَةً، وَبِتَرْتِيبٍ، وَلْيُتَرْجِمْ وَاحِدٌ. ٢٨ وَلٰكِنْ إِنْ لَمْ يَكُنْ مُتَرْجِمٌ فَلْيَصْمُتْ فِي ٱلْكَنِيسَةِ، وَلْيُكَلِّمْ نَفْسَهُ وَٱللّٰهَ. ٢٩ أَمَّا ٱلأَنْبِيَاءُ فَلْيَتَكَلَّمِ ٱثْنَانِ أَوْ ثَلاثَةٌ، وَلْيَحْكُمِ ٱلآخَرُونَ. ٣٠ وَلٰكِنْ إِنْ أُعْلِنَ لِآخَرَ جَالِسٍ فَلْيَسْكُتِ ٱلأَّوَلُ. ٣١ لأَنَّكُمْ تَقْدِرُونَ جَمِيعُكُمْ أَنْ تَتَنَبَّأُوا وَاحِداً وَاحِداً، لِيَتَعَلَّمَ ٱلْجَمِيعُ وَيَتَعَّزَى ٱلْجَمِيعُ. ٣٢ وَأَرْوَاحُ ٱلأَنْبِيَاءِ خَاضِعَةٌ لِلأَنْبِيَاءِ. ٣٣ لأَنَّ ٱللّٰهَ لَيْسَ إِلٰهَ تَشْوِيشٍ بَلْ إِلٰهُ سَلامٍ، كَمَا فِي جَمِيعِ كَنَائِسِ ٱلْقِدِّيسِينَ. ٣٤ لِتَصْمُتْ نِسَاؤُكُمْ فِي ٱلْكَنَائِسِ، لأَنَّهُ لَيْسَ مَأْذُوناً لَهُنَّ أَنْ يَتَكَلَّمْنَ، بَلْ يَخْضَعْنَ كَمَا يَقُولُ ٱلنَّامُوسُ أَيْضاً. ٣٥ وَلٰكِنْ إِنْ كُنَّ يُرِدْنَ أَنْ يَتَعَلَّمْنَ شَيْئاً، فَلْيَسْأَلْنَ رِجَالَهُنَّ فِي ٱلْبَيْتِ، لأَنَّهُ قَبِيحٌ بِٱلنِّسَاءِ أَنْ تَتَكَلَّمَ فِي كَنِيسَةٍ. ٣٦ أَمْ مِنْكُمْ خَرَجَتْ كَلِمَةُ ٱللّٰهِ؟ أَمْ إِلَيْكُمْ وَحْدَكُمُ ٱنْتَهَتْ؟ ٣٧ إِنْ كَانَ أَحَدٌ يَحْسِبُ نَفْسَهُ نَبِيّاً أَوْ رُوحِيّاً، فَلْيَعْلَمْ مَا أَكْتُبُهُ إِلَيْكُمْ أَنَّهُ وَصَايَا ٱلرَّبِّ. ٣٨ وَلٰكِنْ إِنْ يَجْهَلْ أَحَدٌ فَلْيَجْهَلْ! ٣٩ إِذاً أَيُّهَا ٱلإِخْوَةُ جِدُّوا لِلتَّنَبُّؤِ، وَلا تَمْنَعُوا ٱلتَّكَلُّمَ بِأَلْسِنَةٍ. ٤٠ وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ (١كورنثوس ١٤: ٢٦ – ٤٠)

إن الغاية من استعمال المواهب الروحية هو بنيان المؤمنين. فإذا اجتمع المؤمنون معاً فكل واحد منهم عنده مزمور أو له تعليم يعمّق الحق القديم الذي سبق معرفته. أو إن كان له لسان (أي كلام بلغة غريبة) – أو إعلان(بمعنى إيراد حق جديد) أو ترجمة لهذا الذي قيل باللسان، فليكن كل شيء لبنيان الجميع. ولا يجب أن يزيد عدد المتكلمين في اجتماع واحد عن ثلاثة، ولا يتكلمون معاً، بل يتكلمون بترتيب واحداً بعد الآخر. وإن كان أحد يتكلم بلغة أجنبية فعليهم أن يترجموا له. أما إن تكلم أحد بلسان، ولم يكن من يترجم له، فعليه أن يسكت في الكنيسة، لكنه يمكن أن يستمر في التكلّم بألسنة لأنه بذلك يكلم نفسه والله. ويقول إنه إذا وُجد عدد من المتنبئين (الوعاظ) في اجتماع واحد، فلا يجب أن يزيد عددهم عن ثلاثة. وإن كان أحد الموجودين عنده موهبة «تمييز الأرواح» (١٢ : ١٠) فعليه أن يحكم بإلهام المتكلم أو عدم إلهامه. إذا أرشد الله واحداً أن يتكلم فعليه أن ينتظر إلى أن يفرغ زميله من الكلام فيبدأ الحديث بعده، لكي لا يتكلم الاثنان معاً في وقت واحد. وهذا أفضل لتعليم الموجودين ولبنيانهم. واذا حدث أن واحداً منهم قال إنه لا يستطيع أن يسكت عندما يبدأ في الكلام، فالرسول يقول له إن أرواح الأنبياء التي حلّ عليها الروح القدس هي خاضعة للأنبياء، فيمكنه أن يتكلم متى شاء ويسكت متى شاء. ذلك لأن إلهنا ليس إله تشويش – فنسمع اثنين من الوعاظ يتكلمان في وقت واحد – لكن الله إله سلام ونظام.

ويعالج الرسول نقطة أخرى، وهي كلام النساء في الكنيسة. فيقول إنه يمنع النساء عن الكلام في الكنيسة. وهذا يرجع إلى أن النسوة اللاتي كان يُسمح لهنّ بالكلام في الاجتماعات العامة في مدينة كورنثوس هن النسوة اللواتي خصَّصن أنفسهن للزنا في معابد الأصنام. ولا يريد الرسول لسيدات الكنيسة أن يتشبّهن بسيدات العالم. على أن هذا لا يعني أن النساء يسكتن مطلقاً، فنحن نعلم أنه قد أُذن للنساء أن يتكلمن وأن يتنبأن (يوئيل ٢: ٢٨) وقد اقتبس بطرس الرسول يوم الخمسين ما جاء في نبوة يوئيل هذه (أعمال ٢: ١٧). وكان لفيلبس أربع بنات عذارى كن يتنبأن (أعمال ٢١: ٩). إننا يجب أن ننتبه إلى عدم إعثار الآخرين، وعدم وضع عقبات في طريق غير المؤمنين لكي يؤمنوا. وينتهي الرسول بقوله إنه يقدم هذه النصائح جميعها بسلطان رسولي. فإذا وُجد من يريد أن يرفض سلطان الرسول بولس فله أن يرفض ذلك.

ويختم حديثه بقوله: يا إخوتي، أرجو أن ترغبوا في موهبة التنبؤ. ولكن لا تمنعوا أحداً يتكلم بألسنة. ويجب أن يكون كل شىء بلياقة ونظام وبحسب ترتيب.

آية للحفظ

«وَلْيَكُنْ كُلُّ شَيْءٍ بِلِيَاقَةٍ وَبِحَسَبِ تَرْتِيبٍ» (١كورنثوس ١٤: ٤٠)

صلاة

أبانا السماوي، نحن نشكرك لأنك إله سلام، وتريدنا أن نبتعد عن التشويش وعن كل ما يعطل النظام. ساعدنا لنتعلم كيف نسلك بلياقة، وكيف يكون عندنا ترتيب، وكيف نكون في سلام ومحبة. علمنا يا أبانا كيف نمجدك في سلوكنا وتصرفنا حتى لا يكون هناك علة لمن هم من خارج لينتقدوا كنيستك.

سؤال

١٠ – لماذا يطلب الرسول بولس أن تكون العبادة في الكنيسة عبادة منظمة؟

You may also like