الرئيسية تفاسيرالكتاب المقدس مدينة كورنثوس ( د.ق منيس عبد النور )

مدينة كورنثوس ( د.ق منيس عبد النور )

بواسطة Mousa
49 الآراء

مقدمة دراسة في رسالة كورنثوس الأولى ( د.ق منيس عبد النور )

مدينة كورنثوس

  1. مدينة كورنثوس هي إحدى بلاد اليونان، وهي مدينة قائمة على برزخ ضيق يتصل ببحرين، فكانت ميناء بمعنى مزدوج. والموانيء تتعرَّض لفساد الأخلاق أكثر من المدن الأخرى بسبب الغرباء الذين يزورونها، وبسبب البحارة والمسافرين الذين يملأون طرقاتها. وحين يتغرب الناس عن بلادهم ويعيشون في مدينة غريبة قد يفرّطون في الأخلاق، لأنهم غير معروفين لأحد، فهم لا يقيمون وزناً للرأي العام، ولا يشعرون بالضوابط التي تسيطر عليهم في بلادهم، كانت كورنثوس أشبه بميناء تجاري في العصر الحديث، يمتليء ميناؤها المزدوج بخليط من الغرباء لا يردعهم إلا القليل من الموانع التي تمنع الفساد.
  2. وهناك صفة ثانية في كورنثوس، وهي أنها تمتليء بعدد كبير من العبيد الذين كان العالم الوثني القديم يحسبهم أفضل قليلاً من البهائم، ويعاملهم معاملة الأمتعة يتبادلها في الأسواق، فعاشوا غير مسئولين عن أعمالهم، وخلقوا أبشع أنواع الفساد.
  3. ثم كانت كورنثوس مدينة جديدة لم يمضِ على إنشائها أكثر من مائة عام. فقد بُنيت مكان مدينة قديمة تدمرت، فلم يكن بها قيادة نابعة من البيئة، ولا تقاليد قديمة صالحة، ولا رأي عام قوي. وأقامت فيها طوائف من الناس كانوا لا يهتمون إلا بكسب المال فقط. والأخلاق تنحط حين تكون الثروة هي الهدف الوحيد للإنسان.
  4. وكان هناك عنصر رابع في كورنثوس يزيد الشر فيها، وهي أنها كانت مركزاً لعبادة الزهرة – ربَّة الشهوة – والتحق بهيكلها ألف من الراقصات اللواتي كنّ ينحدرن ليلاً لإغواء الناس وجذبهم إلى حياة الفساد. ونتيجة لهذه المؤثرات الأربعة انحدر أهل كورنثوس إلى كثير من الخطأ والشر، واشتهرت المدينة بالخلاعة حتى أصبحت مضرباً للمثل، فإذا قالوا «عاش فلان في كورنثوس» كانوا يعنون أنه فاجر، وإذا قالوا «إمرأة كورنثية» يقصدون أنها سيئة الأدب والسيرة.

كيف ابتدأت الكنيسة في كورنثوس

زار الرسول بولس مدينة كورنثوس سنة ٥٣م، ونجد هذه القصة في سفر أعمال الرسل أصحاح ١٨ ، وزارها مرة ثانية سنة ٥٤ – ٥٧م، ولو أن هذه الزيارة لم تُذكر في سفر الأعمال. غير أننا نستنتج أنها حدثت من قراءتنا لكورنثوس الأولى ١٦: ٦ ، ٧. وغالباً زار بولس كورنثوس زيارة ثالثة حدثت أثناء بقائه ثلاثة أشهر في بلاد اليونان، (أعمال ٢٠: ٢ ، ٣) وكانت الزيارة الثالثة في شتاء سنة ٥٧ – ٥٨.

فماذا قال بولس؟ وماذا علَّم في كورنثوس ليترك أثراً عظيماً؟ هناك حقائق تاريخية ثابتة تُثبت فساد المدينة قبل وصول بولس. وهناك حقائق تاريخية تبرهن لنا عن التغيير العظيم الذي حدث فيها.

ماذا علّم بولس حتى استطاع أن يُصلح أولئك الناس ويجدد حياتهم الفاسدة؟ لا شك أن بولس علّم عن المسيح المخلص، الفادي، فصحنا الذي ذُبح لأجلنا، الذي يطهر قلب كل من يؤمن به، فتخرج من حياته خميرة الخطية، ليملأه الإخلاص والحق. وهو ما قاله في رسالته الثانية «إِنْ كَانَ أَحَدٌ فِي ٱلْمَسِيحِ فَهُوَ خَلِيقَةٌ جَدِيدَةٌ. ٱلأَشْيَاءُ ٱلْعَتِيقَةُ قَدْ مَضَتْ. هُوَذَا ٱلْكُلُّ قَدْ صَارَ جَدِيداً» (٢كورنثوس ٥: ١٧).

ولذلك قال الله لبولس عن كورنثوس «لا تَخَفْ، بَلْ تَكَلَّمْ وَلا تَسْكُتْ… لأَنَّ لِي شَعْباً كَثِيراً فِي هٰذِهِ ٱلْمَدِينَةِ» (أعمال ١٨: ٩ ، ١٠). وقد منح الله هذا الشعب الكثير حياة جديدة، نتيجة لقوة المسيح الحي المغيِّر الذي يملأ الحياة بالرجاء.

المشاكل الرئيسية في كنيسة كورنثوس

بعد ثلاث سنوات من زيارة بولس لكورنثوس، جاءه فريق من الناس(كانوا بزعامة سيدة ثرية اسمها خُلُوي) وأبلغوه أخباراً سيئة عن كورنثوس، بأن فيها تحّزُباً وانقساماً بين المؤمنين. فقد انشقّت الكنيسة الكورنثية إلى عناصر، قال بعضهم إنه يتبع بولس، وقال بعضهم إنه يتبع أبلوس، وقال آخرون إنهم يتبعون صفا، وقال غيرهم إنهم يتبعون المسيح! فالذين ادّعوا أنهم من حزب بولس تشدّدوا للجانب الصوفي من المسيحية، والذين قالوا إنهم من حزب أبلوس تشددوا للجانب العقلي، أما حزب بطرس فقد تشدد للجانب الشخصي. أما الذين قالوا إنهم للمسيح فقد تشبّثوا بقولهم إنهم رأوا المسيح بالجسد. وعندما سمع بولس عن هذا التحّزُب كتب رسالة كورنثوس ليقاوم هذا الخطأ الذي تسلل الى الكنيسة. وسمع بولس عن أهل خلوي ثلاث مسائل أخرى. أولها فضيحة أخلاقية، وهي أن أحد المسيحيين في كورنثوس تزوج من أرملة أبيه، وهذا ما يحرمه القانون والعُرف. ثم قالوا له إن أهل كورنثوس أظهروا روحاً مشاكسة مُحبَّة للمشاكل والقضايا، وقد بلغ بهم الأمر أن رفع أحدهم قضاياه أمام المحاكم الوثنية ضد إخوته المؤمنين. والشي الثالث هو الفساد والزنا.

ويبدو أن أهل كورنثوس كانوا قد أرسلوا رسالة إلى بولس، يسألونه فيها عن موضوعات متعددة. سألوه عن الزواج، وسألوه عن الطعام الذي يُقدَّم للأصنام: هل يأكلونه أو يمتنعون عنه؟ وسألوه عن أربع مسائل أخرى متعلقة بالعبادة العامة، وهي: هل تغطي النساء رؤوسهن في اجتماعات الكنيسة؟ وعن بعض المساوئ في وليمة المحبة والعشاء المقدس، وعن استعمال المواهب الروحية وإساءة استعمالها. وقد ردَّ بولس الرسول على هذه الأسئلة جميعاً.

وأعطى بولس في هذه الرسالة اهتماماً خاصاً بالقيامة (الأصحاح ١٥) ليُزيل شكوك بعض المسيحيين – لا حول قيامة المسيح – بل حول قيامة أجسادهم هم. وخصَّص بولس الأصحاح الأخير من رسالته لمسائل شخصية وتدبير للمستقبل.

You may also like