الرئيسية تفاسيرالكتاب المقدس تفسير إنجيل متى – الإصحاح ٧ (القس ديفيد كوزيك)

تفسير إنجيل متى – الإصحاح ٧ (القس ديفيد كوزيك)

بواسطة Mousa
473 الآراء

العظة على الجبل (الجزء الثالث)

أولًا. الحكم على الآخرين والفطنة.

أ ) الآيات (١-٢): بيان موجز عن إصدار الحكم على الآخرين.

١لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا، ٢لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ، وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ.١. لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا: انتقل يسوع هنا إلى فكرة أخرى في العظة على الجبل. فتعامل في المقام الأول مع موضوعات مرتبطة بالحياة الروحية الداخلية (دوافعنا في العطاء والصلاة والصوم والمال والقلق على الأشياء المادية). والآن يتناول موضوعًا مهمًا يتعلق بالطريقة التي نفكر بها في الآخرين ومعاملتنا معهم.

· نتذكر أن يسوع دعا إلى البر الذي يزيد عن بر الكتبة والفريسيين (متى ٢٠:٥). وفي طريقة تفكير بعض الناس، فإن طريقة جعل المرء أكثر استقامةً هي أن يكون أكثر حكمة من الآخرين. ويوبخ يسوع هنا هذا النوع من التفكير.

٢. لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا: بهذا الأمر حذَّر يسوع من إصدار الأحكام على الآخرين، لأنه عندما نفعل ذلك، سنُدان بطريقة مماثلة.

· من بين أولئك الذين يبدو أنهم لا يعرفون شيئًا عن الكتاب المقدس، فهذه هي الآية التي يبدو أنها الأكثر شعبية. ومع ذلك فإن معظم الأشخاص الذين يقتبسون هذه الآية لا يفهمون ما قاله يسوع. ويبدو أنهم يعتقدون (أو يأملون) أن يسوع أمر بقبول شامل لأي نمط حياة أو تعليم.

· بعد ذلك بقليل في هذه العظة نفسها (متى ١٥:٧-١٦)، أمرنا يسوع أن نعرف أنفسنا والآخرين من خلال ثمار حياتهم، وهناك نوع من التقييم ضروري لذلك. فالمؤمن مدعو لإظهار المحبة غير المشروطة، لكن المؤمن ليس مدعوًا للموافقة غير المشروطة. فيمكننا حقًا أن نحب الأشخاص الذين يقومون بأمور لا يجب الموافقة عليها.

· لذلك في حين أن هذا لا يمنع فحص حياة الآخرين، فإنه يحظر بالتأكيد القيام بذلك بالطريقة التي يتم العمل بها في كثير من الأحيان. فمثال على الحُكم الظالم كان إدانة التلاميذ للمرأة التي جاءت لمسح قدمي يسوع بالطيب (متى ٦:٢٦-١٣). إذ ظنوا أنها تضيّع شيئًا ما؛ قال يسوع إنها قامت بعمل جيد من شأنه أن تدوم ذكراه. فكان حكمهم طائش وقاسي وظالم.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نفكر في الأسوأ في الآخرين.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نتحدث فقط إلى الآخرين عن أخطائهم.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نَدين على حياة بأكملها فقط من خلال أسوأ لحظاتها.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نَدين الدوافع الخفية للآخرين.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نَدين الآخرين دون وضع أنفسنا في ظروفهم نفسها.

ü نحن نكسر هذه الوصية عندما نَدين الآخرين دون أن ندرك أننا سنُدان نحن أيضًا.

٣. لأَنَّكُمْ بِالدَّيْنُونَةِ الَّتِي بِهَا تَدِينُونَ تُدَانُونَ: لم يحظر يسوع الحُكم على الآخرين. إنه يتطلب فقط أن يكون حكمنا عادلًا تمامًا، وأن نحكم على الآخرين وفقًا للمعايير التي نود أيضًا أن يُحكم بها علينا.

· عندما يكون حكمنا خاطئًا فيما يتعلق بالآخرين ، فغالبًا ما يكون ذلك لأننا نحكم وفقًا لمعيار ما، ولكن لأننا منافقون في تطبيق هذا المعيار، فنحن نتجاهل ذلك المعيار في حياتنا. فمن الشائع أن نحكم على الآخرين بمعايير وعلى أنفسنا بمعيار آخر، وأن نكون أكثر كرمًا مع أنفسنا عما نكون مع الآخرين.

٤. وَبِالْكَيْلِ الَّذِي بِهِ تَكِيلُونَ يُكَالُ لَكُمْ: هذا هو المبدأ الذي بنى عليه يسوع الأمر، ’لاَ تَدِينُوا لِكَيْ لاَ تُدَانُوا.‘ سوف يتعامل الله معنا وفقًا للمقياس ذاته الذي نستخدمه مع الآخرين. وهذا هو دافع قوي لنا لكي نكون كرماء بالمحبة والتسامح والخير للآخرين. وإذا كنا نريد المزيد من هذه الأمور من الله، فيجب أن نعطي المزيد منها للآخرين.

· وفقًا لتعليم بعض معلمي اليهود في زمن يسوع، كان لدى الله مقياسين (الْكَيْلِ) استخدمهما في الحُكم على الناس. وكان أحدهما بمثابة مقياس (الْكَيْلِ) للعدالة والآخر كان بمثابة مقياس(الْكَيْلِ) للرحمة. أيًا كان المقياس الذي تريد أن يستخدمه الله معك، فيجب عليك استخدام المقياس (الْكَيْلِ) ذاته مع الآخرين.

· يجب ألا نحكم على سلوك الآخرين إلا عندما ندرك حقيقة أنه سيُحكم علينا، ويجب أن نفكر في الطريقة التي نريد أن نَحكم بها.

ب) الآيات (٣-٥): توضيح لمبدأ يسوع فيما يتعلق بالحُكم على الآخرين.

٣وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟ ٤أَمْ كَيْفَ تَقُولُ لأَخِيكَ: دَعْني أُخْرِجِ الْقَذَى مِنْ عَيْنِكَ، وَهَا الْخَشَبَةُ فِي عَيْنِكَ؟ ٥يَا مُرَائِي، أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!١. وَلِمَاذَا تَنْظُرُ الْقَذَى الَّذِي فِي عَيْنِ أَخِيكَ، وَأَمَّا الْخَشَبَةُ الَّتِي فِي عَيْنِكَ فَلاَ تَفْطَنُ لَهَا؟: إن التشبيهات الخاصة بالْقَذَى والْخَشَبَةُ عبارة عن تشبيهات حقيقية، لكنها تستخدم بروح الدعابة. ويوضح يسوع كيف نتسامح عمومًا مع خطايانا أكثر مما نتسامح مع خطايا الآخرين.

· رغم أنه قد يكون هناك قَذَى حرفية في العين، فمن الواضح أنه لن يكون هناك خَشَبَةُ حرفية أو لوح خشبي حرفي في العين. ولكن استخدم يسوع هذه الصور المُبالغ فيها والفكاهية لجعل رسالته أسهل في الفهم والتذكُر.

· إنها صورة فكاهية: إنسانٌ لديه لوح خشبي في عينه ويحاول مساعدة أحد الأصدقاء في إزالة القذى من عينه. فلا يمكنك التفكير في الصورة دون أن تبتسم أو تستمتع بها.

· مثال على بحث الإنسان عن قذى في عين الآخر مع تجاهل اللوح الخشبي في عينه هو نفسه، هو عندما أحضر القادة الدينيون المرأة التي أمسكت وهى تزني، وجاءوا بها إلى يسوع. لقد أخطأت بالتأكيد؛ لكن خطيتهم كانت أسوأ بكثير، وقد كشف يسوع ذلك على هذا النحو بالعبارة “مَنْ كَانَ مِنْكُمْ بِلاَ خَطِيَّةٍ فَلْيَرْمِهَا أَوَّلًا بِحَجَرٍ” (يوحنا ٧:٨).

٢. أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ: يشير يسوع إلى أن الإنسان الذي لديه خشبة في عينه – لن يدركها على الفور. فهو أعمى عن خطأه الواضح؛ إنها محاولة لتصحيح خطأ شخص آخر في حين يكون لدينا الخطأ نفسه (أو خطأ أكبر)، وحُكم هذا هو أننا “مرائون!

· “يسوع لطيف، لكنه يصف ذلك الإنسان بأنه “مرائي” لأنه يهتم كثيرًا بالأمور الصغيرة في الآخرين، ولا يهتم بالأمور الكبيرة في منزله وفي ذاته.” سبيرجن (Spurgeon)

· إن ريائنا في هذه الأمور دائمًا ما يكون أكثر وضوحًا للآخرين مما هو واضح لنا. فقد نجد طريقة لتجاهل اللوح الخشبي في أعيننا، لكن الآخرين يلاحظونه على الفور. ومن الأمثلة الجيدة على هذا النوع من الرياء، هو رد فعل داود على قصة ناثان، عن رجل سرق ظلمًا وقتل حَمَل رجل آخر. لقد أدان داود الرجل بسرعة، لكنه كان أعمى عن خطيئته، التي كانت أكبر بكثير (صموئيل الثاني ١٢).

٣. أَخْرِجْ أَوَّلًا الْخَشَبَةَ مِنْ عَيْنِكَ، وَحِينَئِذٍ تُبْصِرُ جَيِّدًا أَنْ تُخْرِجَ الْقَذَى مِنْ عَيْنِ أَخِيكَ!: لم يقل يسوع أنه كان من الخطأ بالنسبة لنا أن نساعد أخينا في إزالة القذى من عينه. إنه لأمر جيد أن تساعد أخيك في إزالة قذاه، لكن ليس قبل التعامل مع الخشبة التي في عينيك.

ج) الآية (٦): موازنة المحبة بالتمييز.

٦لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب، وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ، لِئَلاَّ تَدُوسَهَا بِأَرْجُلِهَا وَتَلْتَفِتَ فَتُمَزِّقَكُمْ.١. لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب: بعد أن حذرنا يسوع من المواقف الانتقادية والنقد الأعمى، ذكّرنا هنا بأنه لم يقصد الإيحاء بأن شعب ملكوته يُرجأ كل تمييز. يجب عليهم أن يكتشفوا أن هناك بعض الامور الجيدة والثمينة التي لا ينبغي أن تعطى لأولئك الذين سيستقبلونها بازدراء.

· قد نقول أن يسوع يعني “لا تكن انتقاديًا، لكن أيضًا لا تتخلى عن كل التمييز.”

· غالبًا ما تُفهم الكلاب والخنازير هنا على أنه أولئك الذين يعادون ملكوت الله والرسالة التي تعلنها. فمحبتنا للآخرين يجب ألا تعمينا عن رفض هؤلاء البشر الرافضين للأخبار الجيدة للملكوت.

· ومع ذلك، قد نرى هذا أيضًا في سياق الكلمات السابقة ضد المرائيين. فقد يكون في ذهن يسوع أن الكلاب والخنازير تمثل المؤمنين المرائيين والانتقاديين. فلا ينبغي أن يُمنح هؤلاء المرائون الخاطئون اللآلئ التي تنتمي إلى مجمع القديسين.

· “كتاب الديداكي (Didache) أي (تعليم الرسل الاثني عشر)، والذي يعود إلى عام ١٠٠ ميلادية، وهو أول كتاب لترتيب نظام الخدمة في الكنيسة، وضع الأمر على النحو التالي: ’لا يجوز لأحد أن يأكل أو يشرب من الإفخارستيا خاصتكم إلا أولئك الذين تعمدوا باسم الرب؛ إذ فيما يتعلق بهذا، قال الرب ’لاَ تُعْطُوا الْقُدْسَ لِلْكِلاَب.‘” باركلي (Barclay)

· تحدث السيد المسيح أيضًا في سياق إصلاح أخ أو أخت أخرى. فالإصلاح الإلهي هو لؤلؤة (على الرغم من أنها قد تلدغ للحظة واحدة) ويجب ألا يتم إلقاؤها أمام الخنازير (أولئك الذين عقدوا العزم على عدم تلقّيها).

٢. وَلاَ تَطْرَحُوا دُرَرَكُمْ قُدَّامَ الْخَنَازِيرِ: لآلئنا من الإنجيل الثمين قد تربك فقط أولئك الذين لا يؤمنون، والذين قد أعمى إله هذا الدهر أعينهم عن الحق (كورنثوس الثانية ٤:٤) وقد يضعون الإنجيل فقط موضع سخريتهم.

· “يجب أن يتم التبشير بالإنجيل لكل الناس (مرقس ١٥:١٦). ولكن عندما تقسى اليهود، وتلكموا بالشر على هذا الطريق أمام الجموع (أعمال الرسل ٩:١٩)، توقف الرسول عن تبشيرهم.” بوول (Poole)

· بالطبع، لم يقل يسوع هذا لكي يثنينا عن مشاركة الإنجيل. فقد أخبرنا يسوع سابقًا في هذه العظة ذاتها أن علينا أن نضيء أنوارنا أمام العالم (متى ١٣:٥-١٦). وقد قال يسوع هذا ليدعونا للتمييز، ولتشجيعنا على البحث عن قلوب معدة جاهزة لكي تستقبل. وعندما نجد مثل هذه القلوب المفتوحة، يمكننا أن نثق في أن الله قد عمل عليها بالفعل.

ثانيًا. مزيد من التعليمات للصلاة.

أ ) الآيات (٧-٨): يدعونا يسوع إلى الاستمرار في السؤال والطلب والقرع.

٧اِسْأَلُوا تُعْطَوْا. اُطْلُبُوا تَجِدُوا. اِقْرَعُوا يُفْتَحْ لَكُمْ. ٨لأَنَّ كُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ، وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ، وَمَنْ يَقْرَعُ يُفْتَحُ لَهُ.١. اِسْأَلُوا… اُطْلُبُوا… اِقْرَعُوا: نرى شِدةً تدريجية، بداية من السؤال، ثم إلى الطلب، ثم إلى القرع. أخبرنا يسوع أن نتحلى بالقوة وبالشغف وبالمثابرة في الصلاة. وحقيقة أن يسوع قد عاد إلى موضوع الصلاة، الذي تم تناوله بالفعل بتعمق في متى ٥:٦-١٥، يظهر أهمية الصلاة.

· في هذا الوصف الثلاثي المكوِن للصلاة الموضح في السؤال والطلب والقرع، نرى جوانبًا مختلفة للصلاة وجوانبًا مختلفة من مكافأتها.

ü الصلاة هي أن نسأل، كي ببساطة نجعل طلباتنا معلومة لدى الله، فكُلَّ مَنْ يَسْأَلُ يَأْخُذُ. والأخذُ هو مكافأة السؤال.

ü الصلاة هي السعي إلى البحث عن الله وكلمته وإرادته؛ وَمَنْ يَطْلُبُ يَجِدُ. والحصول هو مكافأة الطلب.

ü الصلاة هي طَرْق الباب حتى يُفتح، ونحن نطلب الدخول إلى القصر السماوي العظيم لملكنا العظيم. فالدخول من الباب المفتوح في قصره هو مكافأة القرْع، وأفضل مكافأة على الإطلاق.

· “اسأل بثقة وتواضع. أطلب بعناية وتطبيق. اقرع بجدية ومثابرة.” كلارك (Clarke)

· إن فكرة القرْع أيضًا تعني أننا نشعر بالمقاومة. فبعد كل شيء، إذا كان الباب مفتوحًا بالفعل، فلن تكون هناك حاجة إلى القرْع. ومع ذلك، شجعنا يسوع، فيما معناه “حتى عندما تشعر أن الباب مغلق ويجب عليك أن تقرع، فأفعل ذلك واستمر في ذلك، وسيُستجابُ لك.”

· ومع ذلك، فإن الصورة التشبيهية للقرع تعني أيضًا وجود باب يمكن فتحه. “من شأن أبواب الله أن تُفتح؛ فالأبواب صنعت عن قصد لكي يُدخل من خلالها؛ وهكذا فإن إنجيل الله المبارك مصنوع عن قصد لأجلك لكي تدخل في الحياة والسلام. لا طائل من القرع على حائط، لكنك قد تطرق بابًا بحكمة، لأنه مهيءٌ لكي يُفتح.” سبيرجن (Spurgeon)

· نأتي إلى باب الله وكل ما يجب علينا فعله هو القرع. إذا كان موصدًا أمامنا، فقد نحتاج إلى أدوات لص لكي نقتحمه، لكن هذا ليس ضروريًا؛ فكل ما يجب علينا فعله هو القرع، وحتى إذا لم يكن لديَّ مهارات لص، فلا يزال بإمكاني أن أقرْع، وأنا أعرف تمامًا كيفية القيام بذلك!

· “يمكن لأي إنسان غير متعلم أن يقرع إذا كان هذا هو كل ما هو مطلوب منه؛ يمكن للإنسان أن يطرق على الرغم من أنه قد لا يكون فيلسوفًا؛ ويمكن للإنسان الأبكم أن يقرع، كما يمكن للأعمى أن يقرع، حتى أنه ربما يمكن لليد العاجزة أن تقرْع. فإن طريقة فتح بوابة السماء مبسطة بشكل رائع لأولئك الذين هم متواضعون بدرجة كافية لاتباع إرشادات الروح القدس، ويسألون ويطلبون ويقرعون بإيمان. لم يقدم الله خلاصًا لا يمكن فهمه إلا من قِبل الناس المتعلمين، بل بالحري إنه مخصص للجُهال والقليلي الذكاء والواهنين، كما هو مخصص لآخرين، وبالتالي يجب أن يكون سهلًا مثل القرع على باب.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. اِسْأَلُوا تُعْطَوْا: الله يَعِد بإجابة من يسعى إليه بمواظبة. لا يتم الرد على الكثير من صلواتنا الخالية من الحماسة لسبب وجيه، لأن الأمر يبدو كما لو أننا نسأل الله أن يهتم بشيء غير مهم بالنسة لنا.

· إن الله يقدّر المثابرة والحماسة في الصلاة لأنهما يثبتا أننا نشارك قلبه. إنهما يظهران أننا نهتم بالأمور التي يهتم هو بها. فلا تتغلب الصلاة المستمرة على إحْجام الله الصامد؛ بل تعطي المجد له، وتعبر عن الاعتماد عليه، وتربط قلوبنا أكثر به.

· “لا يمكن أن تصلي أي نفس عبثًا، إذا ما صلَّت طبقًا للتوجيهات المذكورة سابقًا. فإن حق وأمانة الرب يسوع يتعهدان نجاح تلك الصلاة؛ إذ يقول تُعْطَوْا… تَجِدُوا… يُفْتَحْ لَكُمْ. إن الله متعهد بقوة بتنفيذ هذه الكلمات، كما أن الإنسان متعهد بتنفيذ وصيه ’لا تقتل.‘ فمعك وعد المسيح، وذبيحة المسيح في صفك، فلن يمكن أن تفوتك بركات السماء قط.” كلارك (Clarke)

ب) الآيات (٩-١١): يسوع يوضح طبيعة الله المِعطاءة.

٩أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟ ١٠وَإِنْ سَأَلَهُ سَمَكَةً، يُعْطِيهِ حَيَّةً؟ ١١فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ، يَهَبُ خَيْرَاتٍ لِلَّذِينَ يَسْأَلُونَهُ!١. أَمْ أَيُّ إِنْسَانٍ مِنْكُمْ إِذَا سَأَلَهُ ابْنُهُ خُبْزًا، يُعْطِيهِ حَجَرًا؟: أوضح يسوع أننا غير مضطرين لإقناع أو استرضاء الله في الصلاة؛ فهو لا يريد أن يعطينا الخبز فقط، ولكن أكثر مما نطلب.

· نشكر الله لأنه في الأوقات التي نطلب فيها شيئًا سيئًا مثل حيَّة دون أن نعرف، نراه يتعامل معنا مثل الأب المُحب الذي غالبًا ما يرحمنا من جزاء جهلنا.

٢. فَإِنْ كُنْتُمْ وَأَنْتُمْ أَشْرَارٌ تَعْرِفُونَ أَنْ تُعْطُوا أَوْلاَدَكُمْ عَطَايَا جَيِّدَةً، فَكَمْ بِالْحَرِيِّ أَبُوكُمُ الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ: إنه تجديف أن تنكر استجابة الله للقلب الساعي، فنحن بهذا نُعني ضمنيًا أن الله هو أسوأ من إنسان شرير.

· بدلًا من ذلك، بالمقارنة مع أفضل أب بشري، كم هو الله أب صالح ومُحِب (فَكَمْ بِالْحَرِيِّ!). “يقول ربنا ’فَكَمْ بِالْحَرِيِّ!‘ أي أن الله يعطي أكثر بكثير من أي أب بشري، ولكنه لا يُفصح عن مقدار الزيادة، لكنه يترك ذلك لتأملنا.” سبيرجن (Spurgeon)

· “يا لها من صورة تعبر عن صلاح الله! أيها القارئ، أسأل نفسك، هل يمكن لهذا الآب السماوي أن يُقَدِّر لأي مخلوق من مخلوقاته أن يهلك هلاكًا أبديًّا غير مشروط؟ من يستطيع تصديق أنه قد يفعل ذلك، لك أن تصديق ما تشاء؛ ولكن لا يزال الله محبة.” كلارك (Clarke)

خاتمة للعظة على الجبل: ملخص جزئي ودعوة متكرر لإتخاذ القرار.

أ ) الآية (١٢): ملخص لتعليم يسوع الأخلاقي فيما يتعلق بمعاملتنا للآخرين: القاعدة الذهبية.

١٢فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ، لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ.١. فَكُلُّ مَا تُرِيدُونَ أَنْ يَفْعَلَ النَّاسُ بِكُمُ افْعَلُوا هكَذَا أَنْتُمْ أَيْضًا بِهِمْ: كانت الطريقة السلبية لتوضيح هذا الأمر معروفة قبل يسوع بوقت طويل. فقد قيل منذ وقت طويل، “يجب ألا تفعل مع جارك ما كنت لا تريد منه أن يفعله لك.” ولكن هذا سَبْقٌ كبير بالنسبة إلى يسوع ليضعه في موقف إيجابي، ليقول إننا يجب أن نفعل للآخرين ما نريدهم أن يفعلوا بنا.

· “لم يخترع يسوع القاعدة الذهبية؛ فهي موجودة في العديد من الأشكال في إعدادات متنوعة للغاية. فحوالي عام٢٠ ميلادية، المعلم اليهودي هليل الذي تحداه أممي أن يلخص الناموس في وقت قصير مدته هي وقوف هذا الأممي على قدم واحدة، فأجاب هليل مصرحًا: ’ما يثير اشمئزازك، لا تفعله مع أي شخص آخر؛ هذا هو الناموس كله، وكل ما تبقى هو تفسير لذلك فقط. فاذهب وتعلمه.‘” (من كتاب Shabbath). فيبدو أن يسوع هو الوحيد الذي صاغ القاعدة بشكل إيجابي.” كارسون (Carson)

· وبذلك، يجعل يسوع الوصية أكثر اتساعًا. إنه الفرق بين عدم انتهاك قوانين المرور وفي القيام بشيء إيجابي مثل مساعدة سائق سيارة عالِق. تحت الشكل السلبي للقاعدة، فإن الْجِدَاء في (متى ٣١:٢٥-٤٦) “غير مذنبين.” ولكن تحت الشكل الإيجابي للقاعدة الذهبية، أو الشكل الذي يخص يسوع، فقد تمت إدانتهم بالفعل.

· وهذا ينطبق بشكل خاص على الشركة المسيحية. فإن اختبرنا محبة ومعونة الآخرين، فيجب علينا أن نحب ونساعد الآخرين.

· “لا أحد غير الذي قلبه مليء بالحب لله والبشرية جمعاء، ذاك الذي يمكنه أن يحافظ على هذا المبدأ، إما بروح هذا المبدأ أو بحرفيته. ويبدو كما لو أن الله قد كتبه على قلوب جميع الناس، لأن أقوال مثل هذه يمكن العثور عليها بين جميع الدول اليهودية والمسيحية والوثنية.” كلارك (Clarke)

٢. لأَنَّ هذَا هُوَ النَّامُوسُ وَالأَنْبِيَاءُ: يظهر يسوع أن هذا المبدأ البسيط – القاعدة الذهبية – يلخص كل ما يريد الناموس والأنبياء قوله عن كيفية تعاملنا مع الآخرين. فإذا كنا ببساطة نعامل الآخرين بالطريقة التي نريد أن يعاملونا هم بها، فإننا بطبيعة الحال نطيع كل ما يقوله الناموس عن علاقاتنا مع الآخرين.

· “آهٍ، لو أن جميع الناس تصرفوا على هذا النحو، فلن يكون هناك عبودية أو حرب أو حَلف أو ضرب أو كذب أو سرقة؛ بل سيسود العدل والمحبة! فيا لها من مملكة التي لها مثل هذا القانون!” سبيرجن (Spurgeon)

· هذا يجعل الناموس أسهل في الفهم، لكن لا يجعله سهلًا في التطبيق. فلم يحدث من قبل أن تعامل أحد باستمرار مع الآخرين كما يحبهم أن يعاملوه.

ب) الآيات (١٣-١٤): الاختيار بين طريقتين وواحدة من وجهتين.

١٣اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ، لأَنَّهُ وَاسِعٌ الْبَابُ وَرَحْبٌ الطَّرِيقُ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْهَلاَكِ، وَكَثِيرُونَ هُمُ الَّذِينَ يَدْخُلُونَ مِنْهُ! ١٤مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ، وَقَلِيلُونَ هُمُ الَّذِينَ يَجِدُونَهُ!١. اُدْخُلُوا مِنَ الْبَاب الضَّيِّقِ: لم يتحدث يسوع عن هذا الباب كمصير لنا، بل كمدخل لطريق. فهناك طريق صحيح وطريق خطأ، وناشد يسوع مستمعيه أن يقرروا الدخول من الطريق الأكثر صعوبة، ذلك الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ.

· لقد فهِم وعَلّمَ أنه ليست كل الطرق وليست كل الوجهات جيدة على قدم المساواة. فواحدة تؤدي إلى الْهَلاَكِ، والآخرى إلى الْحَيَاةِ.

· “يشير الباب الضيق حرفيًا إلى أي باب صغير في بوابة كبيرة.” كلارك (Clarke)

· “لا يشجع يسوع المؤمنين الملتزمين على المضي قدمًا في الطريق الضيق لكي يُكافَئوا في النهاية. لكنه يوصي تلاميذه بدخول الطريق الذي اتسم بالاضطهاد وستكون المكافأة في النهاية.” كارسون (Carson)

٢. مَا أَضْيَقَ الْبَابَ وَأَكْرَبَ الطَّرِيقَ الَّذِي يُؤَدِّي إِلَى الْحَيَاةِ: إن الباب الحقيقي ضيق وصعب على حد سواء. فإذا كان طريقك يحتوي على باب سهل ومريح، فسوف تفعل حسنًا إن انتبهت.

· “لا يجب عليك إذًا أن تتساءل ما إذا كانت مفاهيمك صعبة على رغباتك الجسدية، أو أن تكون مخزيًا على الرغم من أنك ترى القليل فقط هم من يسيرون في الطريق الصحيح إلى ملكوت السماء.” بوول (Poole)

ج) الآيات (١٥-٢٠): خطر الأنبياء الكذبة والتمييز بين شجرتين من خلال ثمارهما.

١٥اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ! ١٦مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ. هَلْ يَجْتَنُونَ مِنَ الشَّوْكِ عِنَبًا، أَوْ مِنَ الْحَسَكِ تِينًا؟ ١٧هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، ١٨لاَ تَقْدِرُ شَجَرَةٌ جَيِّدَةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا رَدِيَّةً، وَلاَ شَجَرَةٌ رَدِيَّةٌ أَنْ تَصْنَعَ أَثْمَارًا جَيِّدَةً. ١٩كُلُّ شَجَرَةٍ لاَ تَصْنَعُ ثَمَرًا جَيِّدًا تُقْطَعُ وَتُلْقَى فِي النَّارِ. ٢٠فَإِذًا مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ.١. اِحْتَرِزُوا مِنَ الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ: لقد حذرنا يسوع للتو من طريق يؤدي إلى الدمار. والآن يذكرنا أن هناك الكثيرين ممن يحاولون إرشادنا على الطريق الواسع الذي يؤدي إلى الدمار. والخطوة الأولى لمحاربة هؤلاء الأَنْبِيَاء الْكَذَبَة هي مجرد الحَذَر منهم.

· “إن التحذيرات ضد الأنبياء الكذبة تستند بالضرورة إلى الاقتناع بأن ليس كل الأنبياء حقيقيين، وأنه يمكن انتهاك الحق، وأن أعداء الإنجيل عادةً ما يخفون عَداءهم ويحاولون أن يقحموا أنفسهم بين المؤمنين.” كارسون (Carson)

٢. الَّذِينَ يَأْتُونَكُمْ بِثِيَاب الْحُمْلاَنِ، وَلكِنَّهُمْ مِنْ دَاخِل ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ: إنه من طبيعة هؤلاء الأَنْبِيَاءِ الْكَذَبَةِ أن يخدعوا وينكروا شخصياتهم الحقيقية. وغالبًا ما يخدعون أنفسهم، معتقدين أنهم خِراف بينما هم في الحقيقة ذِئَابٌ خَاطِفَةٌ.

· “إن الخطية الأساسية للنبي الكاذب هي المصلحة الذاتية.” باركلي (Barclay). يمكن التعبير عنها بالرغبة في الكسب، أو الحياة السهلة، أو الرغبة في المكانة، أو الرغبة في تطوير أفكار الفرد وليس أفكار الله.

٣. مِنْ ثِمَارِهِمْ تَعْرِفُونَهُمْ: نحن نحمي أنفسنا من الأنبياء الكذبة من خلال الاهتمام بثِمَارِهِمْ. وهذا يعني الانتباه إلى جوانب عدة من حياتهم وخدماتهم.

· يجب أن نولي الاهتمام لطريقة عيش المُعلم أو الخادم. فهل يظهرون البر والتواضع والإخلاص في الطريقة التي يعيشون بها؟

· يجب أن نولي الاهتمام لمحتوى تعليمهم. هل هي ثمرة حقيقية من كلمة الله أم محورها الإنسان، جذابة للآذان التي تريد أن تُدَغْدَغَ؟

· يجب أن نولي الاهتمام لتأثير تعليمهم. هل ينمو الناس في يسوع أم أنهم يتم تسليتهم فحسب، ويسقطون في النهاية؟

٤. هكَذَا كُلُّ شَجَرَةٍ جَيِّدَةٍ تَصْنَعُ أَثْمَارًا جَيِّدَةً، وَأَمَّا الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً: هذه الثمار هي النتيجة الحتمية لمن نحن. ففي النهاية، رغم أن الحصاد قد يستغرق بعض الوقت، إلا أن الثمار الجيدة أو السيئة واضحة، وتكشف عن نوع “الشجرة” التي نحن عليها.

· الشَّجَرَةُ الرَّدِيَّةُ فَتَصْنَعُ أَثْمَارًا رَدِيَّةً: “أن لا يكون لديك ثمر جيد هو أن يكون لديك شر. فلا يمكن أن يكون هناك عقم بريء في شجرة القلب غير المرئية. فمن لا ينتج ثمارًا، ومن ينتج ثمارًا سيئة، كلاهما صالح للنار فقط.” كلارك (Clarke)

· “ليس فقط الأشرار، من يحملون ثمار التوت السام، هم الذين سيتم قطعهم؛ لكن المحايد، أي الإنسان الذي لا يحمل ثمارًا بفضيلة إيجابية، هو أيضًا سيُلقى في النار.” سبيرجن (Spurgeon)

· في وقت سابق من هذا الفصل، حذرنا يسوع من أن نحكم على أنفسنا أولًا، وأن نبحث عن القذى في نظرنا قبل أن نوجه انتباهنا إلى الذرة التي في عين قريبنا، لذلك، فقبل أن نطلبها من أي شخص آخر، يجب أن نطلبها من أنفسنا أولًا قائلين: “هل أنا مثمر لمجد الله؟”

د ) الآيات (٢١-٢٣): القرار بين مطالبتين بسيادة يسوع، واحد خطأ وواحد حقيقي.

٢١لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ. بَلِ الَّذِي يَفْعَلُ إِرَادَةَ أَبِي الَّذِي فِي السَّمَاوَاتِ. ٢٢كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ بِاسْمِكَ تَنَبَّأْنَا، وَبِاسْمِكَ أَخْرَجْنَا شَيَاطِينَ، وَبِاسْمِكَ صَنَعْنَا قُوَّاتٍ كَثِيرَةً؟ ٢٣فَحِينَئِذٍ أُصَرِّحُ لَهُمْ: إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!١. لَيْسَ كُلُّ مَنْ يَقُولُ لِي: يَارَبُّ، يَارَبُّ! يَدْخُلُ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ: تكلم يسوع هنا عن اعتراف لفظي سليم، حيث أطلق هؤلاء على يسوع: ربَ. هذا أمر حيوي، لكن لا يكفي بحد ذاته.

· يجب أن نستخدم لغة “يا رب، يا رب” – فلا يمكن أن ننال الخلاص إذا لم نفعل ذلك. وعلى الرغم من، المنافقون قد يقولون ذلك، يجب ألا نخجل من قول ذلك. ولكن هذا وحده لا يكفي.

· ينطبق هذا التحذير من يسوع على الأشخاص الذين يتحدثون أو يقولون أمورًا ليسوع أو عن يسوع ولكن لا يُعنوها حقًا. هم لا يعتقدون أن يسوع هو شيطان؛ لكنهم يقولون ببساطة الكلمات بشكل سطحي للغاية. عقلهم موجود في مكان آخر، لكنهم يعتقدون أن هناك قيمة في الكلمات المجردة وأنهم يقومون بواجبهم الديني بلا قلب ولا روح؛ كلمات سطحية وأفكار عابرة.

· ينطبق هذا التحذير من يسوع على الأشخاص الذين يقولون “يا رب، يا رب” ولكن حياتهم الروحية لا علاقة لها بحياتهم اليومية. فيذهبون إلى الكنيسة، وربما يقومون ببعض الواجبات الدينية اليومية، لكنهم يخطئون ضد الله والإنسان مثلما يفعل أي شخص آخر. “هناك من يتحدث مثل الملائكة، ويعيش مثل الشياطين؛ فأولئك لديهم لسان يعقوب المعسول، ولكن أيدي عيسو الخشنة.” تراب (Trapp)

٢. كَثِيرُونَ سَيَقُولُونَ لِي فِي ذلِكَ الْيَوْمِ: إنه لأمر مدهش أن يسوع هو من قال أن الناس سيقفون أمامه في ذلك اليوم الأخير من الدينونة، وأنه هو الرب بحق. ادعى هذا المعلم المجهول في هذا الجزء المنعزل من العالم أنه سيكون الديان على جميع البشر فِي ذلِكَ الْيَوْمِ.

· بقوله ’فِي ذلِكَ الْيَوْمِ‘ لفت يسوع انتباهنا إلى يوم قادم من الدينونة لجميع البشر. “ما هو الهدف الرئيسي في حياتك؟ هل ستفكر في هدفك ’فِي ذلِكَ الْيَوْمِ‘ كما تفعل الآن؟ هل ستحسب نفسك حكيمًا لأنك سعيت ورءاه بهذه اللهفة؟ أنت تعتقد أنك تستطيع أن تدافع عن الأمر الآن، ولكن هل ستتمكن من الدفاع عنه عندما يحين ذلك الوقت، عندما تذوب كل الأشياء في الأرض والوقت في العدم؟ سبيرجن (Spurgeon)

٣. يَارَبُّ، يَارَبُّ! أَلَيْسَ…: لقد حقق الأشخاص الذين يتحدث إليهم يسوع هنا إنجازات روحية مثيرة للإعجاب. لقد تنبأوا وطردوا الشياطين وقاموا بالعجائب الكثيرة. وهذه كلها أمور رائعة، لكنها لا تعني شيئًا بدون شركة وعلاقة حقيقية مع يسوع.

· لم يكن يسوع يشك في ادعاءاتهم بأنهم فعلوا أشياء معجزية. فهو لم يقل، “أنتم لم تتنبأوا أو تطردوا شياطين أو تصنعوا المعجزات.” وهذا يقودنا إلى أن نفهم أنه في بعض الأحيان تُمنح المعجزات من خلال المؤمنين المتظاهرين، ويذكرنا أنه في التحليل النهائي، لا تثبت المعجزات شيئًا.

· بشكل ملحوظ، لقد فعلوا هذه الأشياء باسم يسوع. ومع ذلك، لم يكن لديهم علاقة شركة وعلاقة حب مع يسوع. “من خلال حبي لنفوس الناس، لقد باركت وعظكم؛ لكن أنفسكم لم أستطع تقديرها أبدًا، لأنكم كنتم معوزيين لروح إنجيلي، غير مقدسين في قلوبكم، وغير مستقيمين في سلوككم.” كلارك (Clarke)

· “لو كان الوعظ ينقذ إنسانًا، لمَا كان يهوذا ملعونًا. وإن كان التنبؤ يمكن أن ينقذ إنسانًا، فلن يكون بلعام منبوذًا.” سبيرجن (Spurgeon)

٤. إِنِّي لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ! اذْهَبُوا عَنِّي يَا فَاعِلِي الإِثْمِ!: في النهاية، هناك أساس واحد للخلاص؛ إنه ليس مجرد اعتراف لفظي وليس ’أعمال روحية،‘ ولكن معرفة يسوع وأن نُعرف منه. فعلاقتنا به، من خلال هبة الإيمان التي قدمها لنا، هي التي تضمن خلاصنا. وإرتباطنا بيسوع هو الذي يمنحنا الأمان؛ فبدون هذا الأرتباط لا الأعمال ولا المعجزات تنفع.· “يا لها من كلمة فظيعة! يا له من فصل رهيب! اذْهَبُوا عَنِّي! ابتعدوا عن يسوع الذي أعلنتم اتحادكم معه والذي وحده يمنح الحياة الأبدية. فكل المتحدين بالمسيح، لهم السماء كلها، والمنفصلين عن المسيح فلهم الجحيم كله.” كلارك (Clarke)

· بالإضافة إلى ذلك، لا يوجد أشخاصًا فقدوا خلاصهم؛ بل بالحري، هم لم ينالوا الخلاص أساسًا (لَمْ أَعْرِفْكُمْ قَطُّ).

هـ) الآيات (٢٤-٢٧): القرار بين اثنين من البُناة ومصيرهما.

٢٤فَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَيَعْمَلُ بِهَا، أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ. ٢٥فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْتِ فَلَمْ يَسْقُطْ، لأَنَّهُ كَانَ مُؤَسَّسًا عَلَى الصَّخْرِ. ٢٦وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا، يُشَبَّهُ بِرَجُل جَاهِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الرَّمْلِ. ٢٧فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَصَدَمَتْ ذلِكَ الْبَيْتَ فَسَقَطَ، وَكَانَ سُقُوطُهُ عَظِيمًا!١. أُشَبِّهُهُ بِرَجُل عَاقِل، بَنَى بَيْتَهُ عَلَى الصَّخْرِ: في مثال يسوع على البنائيْن، بدا المنزلان متشابهان من الخارج. فعادة ما يكون الأساس الحقيقي لحياتنا مخفيًا أو فقط يُمتحن في العاصفة، ويمكننا القول أن العواصف تأتي من كل من السماء (الْمَطَرُ) والأرض (الأَنْهَارُ).

· “لم تستخدم أداة التعريف للدلالة على صخرة معينة، بل على فئة؛ أي أساس صخري.” بروس (Bruce)

· “لقد كان كل من الرجل العاقل والجاهل منخرطًا في المهنة ذاتها بالضبط، وقد بنَى كل منهما إلى حد كبير التصميم ذاته، وكان كل منهما متعهد ببناء منازل، وكلاهما ثابر في البناء، وكلاهما أنهى منزله. إن الشبه بينهما كبير جدًا.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. فَنَزَلَ الْمَطَرُ، وَجَاءَتِ الأَنْهَارُ، وَهَبَّتِ الرِّيَاحُ، وَوَقَعَتْ عَلَى ذلِكَ الْبَيْت: كانت العاصفة (الْمَطَرُ، الأَنْهَارُ، الرِّيَاحُ) هي أقصى قوة في الأزمنة التي لم تكن فيها أسلحة نووية. ويحذرنا يسوع من أن أسس حياتنا ستهتز في وقت ما أو آخر، سواء الآن (في التجارب) وفي القضاء النهائي أمام الله.

· سيثبت الوقت وعواصف الحياة قوة الأساس، حتى عندما تكون مخفية. فقد نتفاجأ عندما نرى من بُنِىَ بالفعل على الأساس الجيد. “في نهاية المطاف، عندما خان يهوذا المسيح في الليل، اعترف به نيقوديموس بإخلاص في الصباح.” تراب (Trapp)

· من الأفضل أن نختبر أساس حياتنا الآن وليس آجلًا، عند محاسبتنا أمام الله، عندها سيكون قد فات الأوان لتغيير مصيرنا.

· ربما كان في ذهن يسوع فقرة من العهد القديم، تقول: “كَعُبُورِ الزَّوْبَعَةِ فَلاَ يَكُونُ الشِّرِّيرُ، أَمَّا الصِّدِّيقُ فَأَسَاسٌ مُؤَبَّدٌ.” (أمثال ٢٥:١٠)

٣. وَكُلُّ مَنْ يَسْمَعُ أَقْوَالِي هذِهِ وَلاَ يَعْمَلُ بِهَا: مجرد سماع كلمة الله لا يكفي لتوفير أساس آمن. فمن الضروري أن نكون أيضًا عاملين لكلمته. وإذا لم نكن كذلك، فنحن نرتكب الخطيئة التي من المؤكد أنها ستكشفنا، خطيئة عدم القيام بأي شيء (سفر العدد ٢٣:٣٢)، عندئذٍ سيكون سقوطنا عَظِيمًا.

· “أين تكمن حماقة الباني الثاني؟ ليس في البحث عن أساس سيء عن عمد، ولكن في عدم التفكير في الأساس. لم يكن خطأه خطأ في الحكم، بل في عدم الاهتمام. إنها ليست، كما هو مفترض بشكل عام، مسألة أساسين، بل هي النظر إلى الأساس أو تجاهل النظر إليه.” بروس (Bruce)

· “سيكون بؤسهم وكارثتهم أكبر، وبقدر ما كانت آمالهم أقوى، ستكون خيبة أمل توقعاتهم تزيد من بؤسهم.” بوول (Poole)

  • ومع ذلك، لا يمكن لأحد قراءة هذا دون أن يرى أنه لا ولن يَعْمَلُ بِهَا مطلقًا. حتى لو فعل ذلك بالمعنى العام (الذي يجب أن نفعل)، فإن إعلان ملكوت الله في العظة على الجبل يدفعنا إلى الوراء مرارًا وتكرارًا كخطاة محتاجين إلى مخلصنا. “جبل الإدراك الأخلاقي يكشف الحاجة إلى جبل الصليب.” مورجان (Morgan)

و ) الآيات (٢٨-٢٩): تأثير عظة يسوع على الذين سمعوه.

٢٨لَمَّا أَكْمَلَ يَسُوعُ هذِهِ الأَقْوَالَ بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ، ٢٩لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ.١. لأَنَّهُ كَانَ يُعَلِّمُهُمْ كَمَنْ لَهُ سُلْطَانٌ وَلَيْسَ كَالْكَتَبَةِ: لم يستطع جمهور يسوع إلا أن يلاحظ أنه قد علَّم بسلطان يفتقر إليه المعلمون الآخرين في زمنه، أولئك الذين غالبًا ما كانوا ينقلون عن معلمين يهود آخرين. تكلم يسوع بسلطان فطري وسلطان كلمة الله الموحى بها.

· تحدث الكتبة عن السلطان، مُسندين كل ما قالوه على تقاليد ما قيل من قبل. ولكن تكلم يسوع بسلطانه هو.” بروس (Bruce)

· “فاجأهم شيئان: جوهر تعاليمه، وطريقة تعليمه. فهم لم يسمعوا مثل هذه العقائد من قبل؛ كانت المفاهيم التي أعطاها جديدة تمامًا على أفكارهم. ولكن دهشتهم الرئيسية كانت في طريقته، فقد كان فيها يقين وقوة وثِقَل، مثل ما لم يروه من قبل.” سبيرجن (Spurgeon)

٢. بُهِتَتِ الْجُمُوعُ مِنْ تَعْلِيمِهِ: عندما يتم تقديم كلمة الله كما هي حقًا، مع قوتها الطبيعية، فإنها ستُدْهش الناس وتُميّز نفسها عن مجرد آراء البشر.

· عندما نفهم يسوع حقًا في هذه العظة على الجبل، يجب أن نشعر بالدهشة أيضًا. وإذا لم نشعر بالدهشة، فربما لم نسمع أو نفهم حقًا ما قاله يسوع.

· كان الحصول على دهشة السامعين أمرًا جيدًا؛ ولكن لم يكن هذا ليكون جيدًا إذا كان هذا هو مدى التأثير فقط. فالواعظ يريد دائمًا أكثر من أن يدهش مستمعيه فحسب.

You may also like