الرئيسية كتبدفاعيات 12-الفصل الثالث: توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه وعدم تعرُّضه للتغير

12-الفصل الثالث: توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه وعدم تعرُّضه للتغير

بواسطة nancy tharwat
20 الآراء

كتاب الله ذاته ونوع وحدانيته

توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه وعدم تعرُّضه للتغير

عوض سمعان

الفصل الثالث: توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه وعدم تعرُّضه للتغير

اتضح لنا مما سلف أن الأقانيم واحد في اللاهوت، وأن اللاهوت واحد ووحيد ولا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق، ولذلك فمن البديهي ألا ينفصل أحدهم عن الآخر بأي حال من الأحوال. لكن الذين لا يدركون هذه الحقيقة، يعترضون عليها بالقول: كيف يتفق مثلاً مجيء أقنوم «الابن» إلى الأرض، مع الاعتقاد بعدم قابلية الأقانيم للانفصال، أو بالحري مع الاعتقاد بثبات اللّه وعدم تعرضه للتغير؟

ورداً على ذلك نقول:

  1. لو أن الأقانيم عناصر أو أجزاء في اللّه. لكان مجيء أحدهم إلى الأرض، أو بتعبير أدق ظهوره عليها، دون الأقنومين الآخرين، يؤدي إلى حدوث تفكك في اللّه، لأن مثله في هذه الحالة، يكون مثل الإنسان الذي عندما تخرج روحه من جسمه بالموت، يتعرض للتفكك والتغيُّر. ولكن الأقانيم ليسوا عناصر في اللّه أو أجزاء فيه، بل هم عين ذاته. وذاته واحدة لا تتعرض للتجزئة أو الانقسام على الإطلاق. ولذلك فلا يمكن أن يتعرض اللّه لأي شيء من التغير، بظهور أحد الأقانيم في مكان دون الأقنومين الآخرين.
  2. لو أن اللاهوت متحيّز بمكان، لكان ظهور أقنوم على الأرض أو في أي مكان آخر، دون الأقنومين الآخرين، يؤدي إلى حدوث تفكك في اللّه، لأنه لا يمكن في هذه الحالة أن يكون أقنوم ظاهراً بمفرده في مكانٍ ما، ويكون في الوقت نفسه واحداً مع الأقنومين الآخرين في اللاهوت، لأن مثل اللّه في هذه الحالة، يكون مَثَل الإنسان الذي عندما تخرج روحه من جسمه لوقت ما، لا يمكن أن تكون منفصلة عن جسمه ونفسه، وفي الوقت ذاته تكون متحدة بهما، لأنها محدودة كنفسه وجسمه، وفي الوقت ذاته هي قابلة للانفصال عنهما.
  3. لكن اللاهوت ليس كذلك، لأنه لا يتحيَّز بمكان أو زمان، ولا يتعرض للتجزئة أو الانقسام. ولذلك عندما يظهر أحد الأقانيم في مكان، للقيام بأي عمل من أعمال اللاهوت، لا يكون قد انفصل عنه لأن اللاهوت هو عين جوهره، ولا يكون قد انحصر في حيز خاص لأن اللاهوت لا يتحيز بمكان أو زمان، ولا يكون قد افترق عن الأقنومين الآخرين لأن اللاهوت لا ينقسم أو يتجزأ على الإطلاق، بل يظل قائماً بكل اللاهوت (إن جاز هذا التعبير)، وفي وحدة كاملة مع الأقنومين الآخرين.

وقد أشار السيد المسيح أقنوم الابن، الذي ظهر على الأرض، ليعلن لنا ذات اللّه ويقرّبنا إليه – أشار إلى حقيقة عدم تحيز أي أقنوم بمكان أو زمان حينما تحدث عن نفسه أثناء وجوده بالجسد على الأرض، إذ قال: «وَلَيْسَ أَحَدٌ صَعِدَ إِلَى ٱلسَّمَاءِ إِلاّ ٱلَّذِي نَزَلَ مِنَ ٱلسَّمَاءِ، ٱبْنُ ٱلإِنْسَانِ ٱلَّذِي هُوَ فِي ٱلسَّمَاء» (يوحنا ٣: ١٣)، ومعنى ذلك أنه مع وجوده بالجسد على الأرض في وقت ما، كان في نفس هذا الوقت بلاهوته في السماء، وفي كل مكان أيضاً تبعاً لذلك.

مما تقدم يتضح لنا، أنه نظراً لأن اللاهوت لا يتجزأ ولا ينحصر في مكان أو زمان، وفي الوقت نفسه هو جوهر الأقانيم معاً وجوهر كل أقنوم على حدة، فإن الأقانيم واحد بوحدانية غير قابلة للانفصال على الإطلاق. ولذلك فمنذ الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبد الذي لا نهاية له، لا ينفصل أقنوم عن الأقنومين الآخرين بأي حال من الأحوال. وقد وصف القديس أثناسيوس الرسولي وحدانية الأقانيم هذه، فقال: «إنها اتحاد بلا اختلاط، وتميُّز بلا انفصال»، وحقاً إنها كذلك.

أخيراً نقول، إننا لا ننكر أن التثليث يفوق العقل والإدراك، ولكنه مع ذلك يتوافق مع كمال اللّه كل التوافق. وليس هناك مجال للاعتراض عليه بأي وجه من الوجوه، لأن وحدانية اللّه، كما اتضح لنا، ليست وحدانية مجردة أو مطلقة، بل هي وحدانية جامعة مانعة. وجامعيتها ليست صفات بل أقانيم، والأقانيم متميّز أحدهم عن الآخر.

وفي الوقت نفسه هم واحد في اللاهوت، ولا انفصال لأحدهم عن الآخر إطلاقاً، لأنهم ذات اللّه عينها. وطبعاً كما أننا لا نتصور اللّه في وحدة لاهوته كاللّه الواحد، شخصاً واحداً جالساً على عرش واحد، كذلك لا نتصوره في ثالوثه كالآب والابن والروح القدس، ثلاثة أشخاص جالسين على ثلاثة عروش، لأن هذا التصوّر تحديد وتجسيم للّه، مع أنه لا حدَّ ولا جسم له. فهو في ثالوث وحدانيته ووحدانية ثالوثه روح لا يدخل تحت حصر أو شكل، ولذلك فهو أسمى من أن يخوض فيه الفكر أو يتصوره الخيال.

وقد حاول البعض تشبيه ذات اللّه بأمثلة من الطبيعة، لكي يقربوا ثالوث وحدانيتها إلى عقول العامة التي لا تفهم الروحيات إلا بالمحسوسات. ولكن جميع الأمثلة التي أتوا بها، تقصر دون الإفصاح عن حقيقة ذات اللّه، لأنها لا تشبه الإنسان الواحد المكوَّن من نفس وروح وجسد، أو عقل ونطق وحياة، ولا تشبه الإنسان الواحد الذي يشغل ثلاث وظائف في وقت واحد، ولا تشبه النفس الواحدة التي فيها مع وجودها الذاتي النطق والحياة، ولا تشبه الشمس الواحدة التي فيها مع وجودها الذاتي الأشعة والحرارة، ولا تشبه… ولا تشبه… لأن الأقانيم ليسوا عناصر أو أجزاء من اللّه، أو صوراً أو وظائف له، بل هم عين ذاته التي لا تركيب فيها على الإطلاق، الأمر الذي لا يوجد له نظير بين الكائنات.

نشر بتصريح من نداء الرجاء

https://call-of-hope.com

You may also like