الرئيسية تفاسيرتأملات ميلاد السيد المسيح 2

ميلاد السيد المسيح 2

بواسطة nancy tharwat
32 الآراء

تمر الأيام، جيل يمضي وجيل يجيء، وتبقى قصة ميلاد الرب يسوع المسيح أقدس وأعظم وأجمل قصة في التاريخ: فهي قصة افتقاد السماء للأرض. قصة المحبة الأبدية السامية من قلب الله إلى جنسنا البشري. إنها قصة تجسّد الله ومجيئه إلى عالمنا في شخص طفل المذود.

وقصة ميلاد الرب يسوع من القديسة مريم العذراء، تبقى أكثر القصص روعة وإشراقًا في مسيرة الحياة. فنور الميلاد ما يزال ساطعًا، بل يزداد تألّقًا في عالم يسقط يوميًا في مستنقع الرذيلة والفساد.
وفي هذه الأيام التي نحتفل فيها بعيد الميلاد المجيد، يجدر بنا أن نتوقّف لنعطي صاحب العيد كل الشكر والتسبيح والمجد الذي يستحقه، ونتأمل في قصة الميلاد من خلال النظر في إجابات لسبعة أسئلة رئيسة تتعلق بهذا الحدث الجليل، وهذه الأسئلة هي: مَنْ؟ ولماذا؟ وكيف؟ ومتى؟ وأين؟ ولمن؟ وماذا؟

1- من هو المولود؟
أظهر الملاك هوية طفل المذود وحقيقته عندما أعلن خبر الميلاد للرعاة وقال لهم إن المولود هو المخلص والمسيح والرب (لوقا 11:2). كذلك قال الملاك للقديس يوسف إنّ الطفل هو عمانوئيل الذي تنبأ عنه النبي إشعياء (14:7)، أي إنه الله معنا (متى 23:1). فالمسيح هو الله الذي جاء من السماء ليكون معنا، وليخلصنا، ويكون الرب والسيد على حياتنا، إذا قبلناه بالإيمان في قلوبنا وحياتنا.
نقرأ في إشعياء 6:9 “لأنه يولد لنا ولد ونُعطى ابنًا، وتكون الرياسة على كتفه، ويُدعى اسمه عجيبًا، مشيرًا، إلهًا قديرًا، أبًا أبديًا، رئيس السلام.” نجد هنا خمسة أسماء عظيمة للمسيح: فهو عجيب، ومشير، وهو أيضًا الله القدير، والآب الأبدي، ورئيس السلام. وهذه جميعها أسماء الله بالذات. كذلك نقرأ في يوحنا 1:1 “في البدء كان الكلمة، والكلمة كان عند الله، وكان الكلمة الله.” ويضيف في الآية 14 قائلًا: “والكلمة صار جسدًا، وحلّ بيننا” أي أن المسيح هو الله الأزلي الذي تجسّد بصورة إنسان.
هذا هو طفل المغارة إلهنا القدير، يأتي متواضعًا إلى عالمنا، يأتي مجسِّدًا لمحبة الله، وداعيًا الناس جميعًا إلى التوبة وإلى حياة القداسة والتقوى ومخافة الله.

2- لماذا وُلد المسيح؟
يقدّم لنا الكتاب المقدس إجابات عديدة عن سبب مجيء المسيح إلى عالمنا، منها:
1- جاء المسيح ليتمم الفداء والخلاص وذلك بالتكفير عن خطايا الجنس البشري بدمه الكريم الذي سفكه على الصليب. نقرأ في1تيموثاوس 15:1 “صادقة هي الكلمة ومستحقة كل قبول: أن المسيح يسوع جاء إلى العالم ليخلص الخطاة.” كذلك نقرأ في إشعياء 4:53-6 أن المسيح “مجروح لأجل معاصينا، مسحوق لأجل آثامنا… والرب وضع عليه إثم جميعنا.”
2- جاء المسيح ليعطي الإعلان الكامل والنهائي والشامل عن الله. أي إن من يريد أن يعرف الله وإرادته، فعليه أن يأتي إلى المسيح (عبرانيين 1:1-2 ويوحنا 9:14).
3- جاء المسيح ليكمّل ناموس الله ويتمّم النبوّات (متى 17:5). فعندما ندرس سيرة حياة المسيح، نجد أن كل ما عمله كان لكي يتمِّم أقوال الله على ألسنة أنبيائه في العهد القديم.
وُلد المسيح إنسانًا كاملًا في مذود بيت لحم، وفي ميلاده ظهرت محبة الله. فهو المحبة المتجسّدة وظهرت أعظم تعابير المحبة في الصليب عندما تمّم المسيح مطالب عدالة الله ومات بدلًا عنا. أجل، إن المسيح وُلد ليموت ووُلد ليعطينا حياة، وحياة أفضل (يوحنا 10:10).

3- كيف وُلد المسيح؟
وُلد الرب يسوع من القديسة المباركة مريم العذراء، وهذه الحقيقة المجيدة تُعتبر واحدة من أقدس معجزات وعجائب الله. نقرأ في إشعياء 14:7 قول الله: “ولكن يعطيكم السيد نفسه آية: ها العذراء تحبل وتلد ابنًا وتدعو اسمه عمانوئيل.” لقد حبلت القديسة مريم بالطفل يسوع وهي عذراء، أي بدون زرع بشري بل بقوة الروح القدس الفائقة للطبيعة، وهذه الحقيقة الكتابية هي ركن من أركان العقيدة المسيحية الراسخة.
تُذَكِّرنا حقيقة الحبل العذراوي أن المسيح هو الله الأزلي وأنه وُلد بلا خطية، وبالتالي فهو إنسان فريد في تجسّده ومولده. فالحبل العذراوي دليل قوي على سلطان الله على قوانين الطبيعة وعلى عمل الروح القدس في حياة القديسة مريم العذراء، حيث أن الله اختارها من بين نساء العالم أجمع ليتمم من خلالها ولادة المخلص.
كذلك فالحبل العذراوي يذكّرنا أن الخلاص هو عمل فائق للطبيعة ولا يتم بالجهود البشرية بل بمبادرة السماء. فالخلاص نعمة وعطية من الله القادر أن يعطي ولادة روحية جديدة للخطاة.

4- متى وُلد المسيح؟
نقرأ في غلاطية 4:4-5 “ولكن لما جاء ملء الزمان، أرسل الله ابنه مولودًا من امرأة، مولودًا تحت الناموس، ليفتدي الذين تحت الناموس، لننال التبني.” نجد هنا أن الرب يسوع وُلد في ملء الزمان: أي في الوقت المحدّد والمعيَّن والمرتّب من الله. فقد وُلد المسيح في زمن الله، وفي زمن انتشار ما سمي أيامها بسلام روما حين ساد نفوذ قياصرة روما على العالم القديم، وربطت الطرق بين أجزاء الإمبراطورية الرومانية، وسادت اللغة اليونانية كلغة الفلسفة والدين والتعامل اليومي، بحيث كان الوقت مناسبًا جدًا لانتشار الإنجيل.
كذلك وُلد المسيح في زمن ازدادت فيه مظاهر الانحطاط والفساد والشر والخطية، إلى جانب مظاهر التدين الزائف. أيضًا وُلد المسيح في وقت التهبت فيه المشاعر وتأجّجت العواطف شوقًا لمجيء المسيح المنتظر.
وُلد المسيح في أيام أعظم أباطرة روما، وهو أغسطس قيصر (لوقا 1:2)، عندما كان الوالي الروماني كيرينيوس يدير شؤون سوريا (لوقا 2:2)، وفي نفس الوقت كان هيرودس الكبير ملكًا على فلسطين ولكن تحت سلطة روما.
لقد هيأ الله الظروف المناسبة لولادة الرب يسوع وجاء يوحنا المعمدان ليعدّ الطريق (لوقا 76:1) داعيًا الناس إلى الاستعداد لميلاد المسيح مخلّص العالم.

5- أين وُلد المسيح؟
أعلن نبي الله ميخا في القرن الثامن قبل الميلاد أن المسيح سيولد في مدينة بيت لحم (ميخا 2:5). وهي نفس المدينة التي وُلد فيها الملك والنبي داود (1صموئيل 1:16-13). وفعلًا تمت النبوة، ووُلد الرب يسوع في بيت لحم، أي وسط الشعب القديم الذي كان يعرف كلمة الله والنبوات وينتظر ولادة المسيّا المنتظر.
لقد اختار الرب يسوع في تجسّده وولادته أن يقدّم لنا أجمل وأرقّ صورة من صور التواضع والوداعة، إذ اختار بيت لحم التي كانت في أيامه من أصغر مدن فلسطين، كذلك عند ولادته وضعته أمه القديسة مريم العذراء في مذود، أي أن الرب وُلد في إسطبل للحيوانات وليس في قصر أو بناية فخمة، وهذه صورة مثالية لمنتهى التواضع والبساطة، بحيث أن الرب خالق كل الكون وصاحبه يولد في مكان بسيط للغاية ليكون لنا أفضل مثالٍ على الإطلاق.

6- لمن أعلنت بشارة الميلاد؟
اختار الله بحكمته الفائقة أن يعلن خبر الميلاد لجماعتين مختلفتين من الناس وهم:
أ- الرعاة: كان الناس يعتبرون الرعاة جماعة محتقرة ومنبوذة بحسب الطقوس الدينية الشائعة في أيام ولادة المسيح، فقد كانوا فقراء ويعيشون على هامش المجتمع. أما نظرة الله فكانت وما تزال تختلف عن موازين البشر، فقد اعتبرهم الله جديرين بالبشارة، بحيث كانوا أول من سمع نشيد الميلاد الملائكي الرائع: “المجد لله في الأعالي، وعلى الأرض السلام، وبالناس المسرة.” (لوقا 14:2) يجب أن نلاحظ هنا أن الرعاة كانوا أيضًا من شعب الله القديم الذي انتظر مجيء المسيح، وهم يمثلون كل إنسان استقبل ميلاد الرب يسوع بفرح وقام بنشر الخبر.
ب- المجوس: أشار النبي دانيآل في العهد القديم إلى المجوس باعتبارهم جماعة العلماء والمنجمين الذين كانوا من ضمن حاشية ملوك بابل، إذ اهتم المجوس بدراسات الفلك والنجوم وكتب النبوات. وعند ولادة الطفل يسوع، أظهر الله لجماعة من مجوس المشرق نجمًا فهموا منه أن المسيح الملك قد وُلد (متى 1:2-12). أي إن الله اختار أيضًا جماعة من الأثرياء الوثنيين ليخبرهم بولادة الطفل يسوع.
يحب الله جميع الناس، لذلك جاء المسيح لخلاص الجميع بدون تمييز، ومنذ لحظة ولادته أعلن الله الخبر لشعبه القديم مُمَثَّلًا بالرعاة، وللأمم الوثنية البعيدة عن الله، مُمَثَّلة بالمجوس. كذلك جاء المسيح لخلاص الفقراء والأغنياء سواء، فالجميع بحاجة إلى الخلاص.

7- ما هي ردود الفعل عند ولادة يسوع؟
جاء الرعاة مسرعين لرؤية طفل المذود، ويخبرنا الإنجيل المقدس أنهم لما “رأَوه أخبروا بالكلام الذي قيل لهم عن هذا الصبي.” (لوقا 17:2) أي إن الرعاة كانوا أول المبشرين في التاريخ. كذلك المجوس فرحوا فرحًا عظيمًا جدًا و “أتوا إلى البيت، ورأوا الصبي مع مريم أمه. فخرّوا وسجدوا له. ثم فتحوا كنوزهم وقدّموا له هدايا: ذهبًا ولبانًا ومرًّا.” (متى 11:2) فالمجوس سجدوا لطفل المذود وقدّموا له هدايا ثمينة جدًا.
أما هيرودس الملك فقد اضطرب، أي امتلأ خوفًا وغضبًا، لذلك تآمر على قتل الطفل يسوع بسبب شروره وأنانيته (متى 3:2-16).
وإذ نحتفل بهذه الذكرى المجيدة، كيف سيكون ردّ فعلنا: هل نستقبل الطفل المولود ونعطيه مكانته الحقيقية بصفته مخلصًا وربًا وسيدًا على حياتنا؟ هل نسجد له ونعبده ونقدّم له حياتنا كأغلى هدية؟ هل نبشر باسمه كالرعاة؟ أم نرفضه بسبب خطايانا وفسادنا كهيرودس؟ إن صاحب الميلاد يريد أن يولد في قلوبنا، فهل نقول له: آمين، تعال أيها الرب يسوع؟

You may also like