الرئيسية كتبروحية_ بنائية كلمات المسيح على الصليب – الكلمة السادسة «قَدْ أُكْمِلَ» يسّى منصور

كلمات المسيح على الصليب – الكلمة السادسة «قَدْ أُكْمِلَ» يسّى منصور

بواسطة Mousa
17 الآراء

من كتاب

كلمات المسيح السبع على الصليب

يسّى منصور

الكلمة السادسة

«قَدْ أُكْمِلَ» (يوحنا ١٩: ٣٠)

كلمة تملك الأفهام وتأخذ بمجامع القلوب، وتعبِّر عن الظفر وتُشعِر بالانتصار، وتنمُّ عن نصرةٍ هادئة وسط أهوال الموت، وترقَى قمم المجد فوق رابية الصليب، وتُطلِع صُبح الرجاء فتمحو ظلمات القنوط، وتتلألأ بنشوة الفرح وهزّة السرور، وتشفّ عن لذّة الوفاء وهناءة النجاح، وهي ختمٌ وتأمين على شؤونٍ جليلة تمَّ تنفيذها.

ففي تلك اللحظة الخطيرة التي فرغت فيها جعبة أعداء المسيح من سهامهم، وتلقّى المسيح منهم كل براهين حقدهم، بلغت الكفارة كمالها، ومِن ثمَّ أنجز المسيح الوعود وأتم العهود. فقد أكمل المشيئة الإلهية ونفذ قضاءها المحتوم، وأنهى شريعة الظلال والرموز لتفسح المجال لحقائق الفداء. وهكذا قضى المسيح على قوة الخطية وسلطانها، فصارت كأنها لم تكن، وودّع الألم ليستقبل المجد. فلما بلغ قمة هذا الانتصار، والصليب خلفه والمجد في انتظاره، هتف بصوتٍ عظيم «قد أُكمِل». فهذه الكلمة السامية جامعة شاملة لأمور عظيمة أُكمِلت في المسيح من كل جهة، سواء من جهة عداوة اليهود له، أو من جهة قصد الله فيه، أو في تتميم نبوات الكتب المقدسة عنه، أو إشارات الناموس الطقسي إليه، أو علاج خطية البشر به، أو انتزاع حياته منه، أو إنجاز عمل الفداء بواسطته.

ومن امتيازنا العجيب أن نشارك المسيح في أفراح الصليب، ونشاطره مباهج الفداء. فيحلو لنا أن نتأمل هذه الكلمة لنرى ما «قد أكمل».

١ – أكمل اليهود إثمهم

بالصليب أطلق اليهود آخر طلقةٍ في جعبة عداوتهم للمسيح. فمنذ ظهوره بينهم لم يقبلوه. نبذوا تعليمه. جحدوا معجزاته. جدفوا عليه. وأخيراً قبضوا عليه مكبلاً بالقيود وساقوه للقضاء. شهدوا عليه زوراً. وخزوا رأسه بإكليل الشوك. لطموه على خدّه. بصقوا على وجهه. نتفوا ذقنه. جلدوا ظهره بالسياط. ثقبوا يديه ورجليه بالمسامير. علّقوه على خشبة بين لصين. اقتسموا ثيابه حتى يموت عارياً ويُطرح من غير كفن. مثّلوا به شر تمثيل ونكلوا به أشنع تنكيل. وآخر الكل وهو في حشرجة الموت بخلوا عليه بنقطة ماء، وقدموا له الخل والمر وسط عاصفة من الهزء والتعيير. وهل كان في مقدورهم أن يعملوا شيئاً أكثر من هذا؟

وماذا فعل؟ ألم يعلن حق الله وبرّه؟ ألم يشفق على الإنسانية؟ ألم يفتح عيون العمي ويطهر البرص ويحيي الموتى؟ ألا يعادل كل هذا نقطة ماء تُقدَّم له وقت احتضاره؟ ألا فاسمعوا هذا أيها المظلومون و «تَفَكَّرُوا فِي ٱلَّذِي ٱحْتَمَلَ مِنَ ٱلْخُطَاةِ مُقَاوَمَةً لِنَفْسِهِ مِثْلَ هٰذِهِ لِئَلَّا تَكِلُّوا وَتَخُورُوا فِي نُفُوسِكُمْ» (عبرانيين ١٢: ٣).

٢ – أكمل القصد الأزلي

لم يبغت الصليبُ المسيحَ من حيث لم يحتسبه، ولم يداهمه من حيث لم يتوقعه. بل كان هذا في تقدير الآب وبمقتضى علمه السابق. فقبل إنشاء العالم وقبل الأزمنة الأزلية كان الآب يُبدي مشورته لابنه المبارك، وقدَّم المسيح نفسه لله بروحٍ أزلي ليُطهّر ضمائرنا من أعمالٍ ميتة، لنخدم الله الحي (عبرانيين ٩: ١٤) وعُرف أنه «حَمَلُ ٱللّٰهِ ٱلَّذِي يَرْفَعُ خَطِيَّةَ ٱلْعَالَمِ» (يوحنا ١: ٢٩) وكل الذين سيقبلون كفارته وفداءه هم «معروفون» و«معيَّنون» و«مدعوون» و«مبرَّرون» و«ممجَّدون» في المسيح منذ القدم (رومية ٨: ٢٩ و٣٠). أما وقد حانت الساعة فالأزمنة الأزلية تشرف على الجلجثة لترى كيف يُكشف الحجاب عما سبق وترتَّب من «وَعْدِ ٱلْحَيَاةِ ٱلَّتِي فِي يَسُوعَ ٱلْمَسِيحِ» (٢ تيموثاوس ١: ١) و «الخلاص بِمُقْتَضَى ٱلْقَصْدِ وَٱلنِّعْمَةِ» (٢ تيموثاوس ١: ٩). أَجَل، إن المسيح نفّذ مشيئة الله بحذافيرها، وأطاع حتى الموت موت الصليب، ووجد في حلاوة الطاعة ما هوّن عليه مرارة الصليب (عبرانيين ١٢: ٢). وما كانت طاعة إسحاق لأبيه وهو موثَق على المذبح إلا رمزاً بسيطاً لخضوع المسيح التام للآب، القائل: «اِسْتَيْقِظْ يَا سَيْفُ عَلَى رَاعِيَّ وَعَلَى رَجُلِ رِفْقَتِي، يَقُولُ رَبُّ ٱلْجُنُودِ» (زكريا ١٣: ٧). وما كانت محبة العبد الإسرائيلي لسيده، وقبوله أن يثقب أذنه بمثقبٍ علامة التطوُّع للخدمة مدى الحياة (خروج ٢١) إلا مثالاً ضئيلاً لمحبة المسيح وطاعته حيث قال «هَئَنَذَا أَجِيءُ لأَفْعَلَ مَشِيئَتَكَ يَا أَللّٰهُ» (عبرانيين ١٠: ٩). وإن كانت معصية آدم الأول صيَّرت الكثيرين خطاة، فمن دواعي سرورنا وتهليلنا أن طاعة «آدم الثاني» تصيّر الكثيرين أبراراً (رومية ٥: ١٩) فشكراً لله على عطيته التي لا يُعبَّر عنها (٢ كورنثوس ٩: ١٥).

٣ – أُكمِل المكتوب

إن نبوات ستة آلاف سنة تتحقق اليوم! إعلانات الاجيال الغابرة تتم كأن الأنبياء الذين تنبأوا بها كانوا شهود عيان، وجميع أخبار الآباء المتواترة وبلاغات الرائين المتتابعة عن المسيح تُنجَز بحذافيرها. لقد سبقوا ورأوا بعين النبوّة ما قد تحقق في ملء الزمان، فآدم رأى نسل المرأة يسحق رأس الحية (تكوين ٣: ١٥). وإبراهيم رأى نسلاً تتبارك فيه جميع قبائل الأرض (تكوين١٢: ٣)، وأيوب رأى وليّاً يقوم أخيراً على الأرض (أيوب ١٩: ٢٥) وداود رأى مسكيناً ثقبوا يديه ورجليه (مزمور ٢٢: ١٦)، وإشعياء رأى عبد الرب مجروحاً من أجل معاصينا (إشعياء ٥٣: ٥)، وإرميا رأى غُصناً يُدعى «الرب برُّنا» (إرميا ٣٣: ٦ و١٦)، ودانيال رأى مسيحاً يُقطع ويأتي بالبر الأبدي (دانيال ٩: ٢٦)، وهوشع رأى إلهاً يجذب شعبه بحِبال البشر ورُبُط المحبة (هوشع١١: ٤)، وميخا رأى مُدبِّراً يرعى شعبه، ومخارجه منذ القديم منذ أيام الأزل (ميخا ٥: ٢)، وناحوم رأى قدمي مبشّرٍ منادٍ بالسلام (ناحوم ١: ١٥)، وزكريا رأى يدَيْن مجروحتَيْن في بيت الأحباء (زكريا ١٣: ٦)، وملاخي رأى شمس البر والشفاء في أجنحتها (ملاخي ٤: ٢).

وبالجملة فإن جميع النبوّات السابقة لم تسقط منها كلمة واحدة إلى الأرض، بل ويدهشنا أن نرى منها فقط ما تمّ في مدى الأربع والعشرين ساعة الأخيرة من حياة المسيح. فكل حركة أو سكون بين أفلاك السماء أو طبقات الأرض، وكل قول أو عمل بين أقطاب السياسة أو رجالات الدين، وكل صغيرة أو كبيرة مما أتاه المواطنون أو الأجانب، وكل شيء خطير أو حقير مما له علاقة بالصلب من الفضة بعددها، والثياب والاقتراع عليها، والخل وصورة تقديمه، والحربة ومن يُطعن بها، وخشبة الصلب وتوسُّطها بين اللصوص، إلى كل ما حدث في ذلك الوقت، إنما كان صورة مطابقة تمام المطابقة لكل ما هو مكتوب، مما دلّ على أن المسيح هو روح النبّوة، وأن فيه كل شيء «قد أُكمل».

فإن كان كل شيء مكتوباً عن المسيح حتى «أُحصيت كل عظامه» (مزمور ٢٢: ١٧) فذلك لنستحق نحن الوعد القائل: «حَتَّى شُعُورُ رُؤُوسِكُمْ جَمِيعُهَا مُحْصَاةٌ» (متى ١٠: ٣٠) وهذا يؤكِّد لنا عناية الآب السماوي التامة بنا حتى في أتفه أمورنا الطفيفة!

فإن كانت عين الله تكلأنا من السماء، والأذرع الأبدية ترفعنا من تحت (تثنية ٣٣: ٢٧)، فهل يوجد مع هذا موضع للخوف مما نسميه مفاجئات الحياة؟! وإن كانت أقوال الأنبياء عن اتّضاع المسيح قد تمّت حرفاً بحرف، فلا بد أن تتم أقوالهم عن مجيئه ثانيةً بكمالٍ تام. وإن كان أهل العالم اليوم يتناسون مجيء المسيح ثانيةً وهم يلهون بالمادة، فلا بد أن يحضرهم المسيح بغتة، ويُجري قضاءه المحتوم، ومِن ثمّ نسمع الصوت للمرة الأخيرة يقول: «قد تمّ».

٤ – أُكمل الناموس الطقسي

أكمل المسيح بصليبه ناموس الأحكام والفرائض المؤقّتة، الذي استخدمه الله في إرشاد شعبه إلى الفادي كما يستخدم المعلّم الصور والرسوم في إرشاد الأطفال إلى الحقائق، فقد أعطى الله بني إسرائيل الناموس رمزاً وظلاً، لينشئ في الناس انتباهاً ورجاءً في الأشياء الأفضل. وقد كان ناموس موسى ألغازاً في ألغاز حتى كشف المسيح معناه وبيّن مغزاه. وبما أن الظلال يجب أن تفسح مجالاً للحقائق، فلا حاجة بعد للكاهن أن يربط الذبيحة بقرون المذبح، ولا حاجة بعد إلى دم الثيران أو شحم الكباش، ولا حاجة بعد للفصح، عيد أعياد اليهود، لأن «فِصْحَنَا أَيْضاً ٱلْمَسِيحَ قَدْ ذُبِحَ لأَجْلِنَا» (١ كورنثوس ٥: ٧) فصرنا بعد أن انحسر لثام الشَّبه عن الحقيقة نستمتع لا بظل الأشياء بل بحقيقتها وذاتيتها.

ولم يعالج المسيح ناموس موسى فقط إذ رفع لعنته وأكمل رموزه، بل عالج أيضاً أمر الإنسان كله، فالإنسان الأول صُنع من ترابٍ وسقط، والمسيح اليوم يصنعه جديداً ليحيا إلى الأبد!

إن نيابة آدم تبطل أمام نيابة المسيح، وعهد نوح لا يُذكر أمام عهد المسيح، ودم الذبائح لا يُقاس بدم المسيح، وهتافات اليوبيل تختفي أمام هتافات الإنجيل، ومباهج الأعياد لا تُحسب شيئاً أمام أفراح الخلاص، وراحة السبوت لا توازي سلام الروح القدس، والختان الظاهر في اللحم لا يحاكي ختان القلب بالروح، والأرض التي تفيض لبناً وعسلاً لا تعادل ميراث القديسين في النور.

أشار الهيكل بمحتوياته للمسيح الذي هو استعلان مجد الله، وكان كهنة العهد القديم إشارة لرئيس كهنتنا الأعظم، ورَمَز ملوك بني إسرائيل إلى ذاك الذي ليس لملكه انقضاء، ورَمَز أنبياء التوراة لخدمة ذاك الذي هو كلمة الله ورسم جوهره. فالمسيح إذاً هو الكل في الكل، وفيه يقوم الكل (كولوسي ١: ١٧) وبه كل شيء «قد أكمل».

٥ – أُكمل شرُّ البشرية

«قد أكمل» شر البشرية، أو كما قال النبي دانيال عن ذلك بروح النبوّة: «جاءت نهاية الإثم ليؤتَى بالبرّ الأبدي» (دانيال ٩: ٢٤). لقد سادت الخطية على الأرض منذ البدء، فنزلت مياه الطوفان ولم تقدر أن تمحو الخطية (تكوين ٧)، وسقطت النار من السماء ولم تقدر أن تحرقها (تكوين ١٩)، وفتحت الأرض فاها ولم تقدر أن تبتلعها (العدد ١٦)، وجاءت الشريعة برعودها ولم تقدر أن تزعزعها (الخروج ١٩)، وثارت الحروب العاتية بما فيها من سبيٍ ونفي ولم تقدر أن تنفيها. ولم تزل الخطية تنمو حتى تجاسرت وسمَّرت مُعطي الشريعة على خشبة. ولكن الخطية جُرحت في تلك المعركة جرحاً مميتاً، فصار المسيح الذبيح ذابحاً، ومَن ظنّوه المغلوب غالباً (عبرانيين ٢: ١٤)!

أجل إن الخطية دخلت إلى العالم، وسادت بالألم والموت فسطت وصالت صولتها، وليس من يقدر أن ينتصر ضدها (رومية ٥: ١٢). ولكن جاء حمل الله الذي يرفع خطية العالم، فنقضها وأبطلها وأماتها وأزالها نهائياً، وأخضعنا لحكم البر والحياة (رومية ٥: ١٥). وهكذا وُجدت الينابيع المفتوحة في بيت داود للتطهير من الخطية والنجاسة (زكريا ١٣: ١)، وعُقد بدم الصليب عهد للصفح عن الخطايا السالفة، فإذا الأشياء العتيقة قد مضت، وكل شيءٍ قد صار جديداً (٢ كورنثوس ٥: ١٧)!

لقد سُمّر صك خطايانا بالمسامير (كولوسي ٢: ١٤) وكُتب لنا بحروف حمراء صك البراءة من الخطية من حيث جرمها وقوتها وقصاصها! صُلبت الخطية بالصليب، فتحقق قول المسيح: «اَلآنَ يُطْرَحُ رَئِيسُ هٰذَا ٱلْعَالَمِ خَارِجاً» (يوحنا ١٢: ٣١). كانت الخطية حلقة اتصال بين الشيطان والبشر، والآن كُسرت تلك الحلقة، وانفكت تلك الرابطة وتمّ الوعد: «وَأَنَا إِنِ ٱرْتَفَعْتُ عَنِ ٱلأَرْضِ أَجْذِبُ إِلَيَّ ٱلْجَمِيعَ» (يوحنا ١٢: ٣٢).

٦ – أُكملت حياة المسيح على الأرض

عندما شعر المسيح بأنفاسه الأخيرة، أدرك أن مرحلة التجسد، بكل ما فيها من اتضاع، توشك أن تنقضي، فطابت نفسه وفرح. كيف لا وقد مرّت زوبعة الآلام وصار الجو صافياً، وعبر بحر الأهوال وها هو يصل إلى شاطئ المجد منتصراً، وقطع آخر مرحلة في سياحته الأرضية واقترب إلى الوطن السماوي، وأتمّ الجهاد، وتوقّفت رحى الحرب مسفرةً عن انتصارٍ باهر، وأُكمل السعي ولاحت أكاليل الفوز المبين، وأُسدل الستار على شقاوة الأرض، وكُشف النقاب عن سعادة السماء. لقد صار بينه وبين الفردوس خطوة، فستسقبله أمجاد الأزل. وما أحلى قوله الذي ينمّ عن يقين ويشفّ عن ارتياح: «بَعْدَ قَلِيلٍ لا يَرَانِي ٱلْعَالَمُ أَيْضاً، وَأَمَّا أَنْتُمْ فَتَرَوْنَنِي. إِنِّي أَنَا حَيٌّ فَأَنْتُمْ سَتَحْيَوْنَ» (يوحنا ١٤: ١٩).

فإذاً أيها المؤمنون لا بد من بلوغ النهاية ومسك الختام، فإن «آلامَ ٱلّزَمَانِ ٱلْحَاضِرِ لا تُقَاسُ بِٱلْمَجْدِ ٱلْعَتِيدِ أَنْ يُسْتَعْلَنَ فِينَا» (رومية ٨: ١٨).

٧ – أُكمل الفداء

«قد أُكمل» الفداء، وأفرغ المسيح الإنسان في قالب الجمال من جديد. صحيح أن الإنسان سقط سقوطاً لا قيام منه، ولكن جاء الفادي والولي واحتمل عنا كل ما يجب أن نحتمله، ودفع الثمن دماً زكياً كريماً، وأصبحنا في حِلٍّ من خطايانا السالفة، وهو يقول لنا: «أَنَا أَنَا هُوَ ٱلْمَاحِي ذُنُوبَكَ لأَجْلِ نَفْسِي، وَخَطَايَاكَ لا أَذْكُرُهَا» (إشعياء ٤٣: ٢٥). وأصبح الفداء من حيث هو عمل الله بالمسيح وليمة مهيأة جاهزة كاملة لا يحرمنا منها أحدٌ، إلا إذا تأخرنا. لذلك يقول: «ٱلْيَوْمَ إِنْ سَمِعْتُمْ صَوْتَهُ فَلا تُقَسُّوا قُلُوبَكُمْ» (مزمور٩٥: ٧ و٨ وعبرانيين ٣: ٧). والفداء من حيث حصولنا عليه هو ماضٍ وحاضر ومستقبل. فبالنسبة للماضي ننال غفران كل ما فات. أما في الحاضر فنحصل على التجديد والتقديس والسلام، أما في المستقبل فنحصل على قيامة الأجساد وحياة الدهر الآتي. لقد تمت الكفارة واستراح المسيح من عملها، وأصبحنا ننال الفداء باستحقاقها ونحن مغتبطون بعمل المسيح لأجلنا «هَذِهِ هِيَ ٱلرَّاحَةُ. أَرِيحُوا ٱلرَّازِحَ» (إش ٢٨: ١٢).

وفي الختام لا يسعنا إلا أن نبدي مقدار تأثير كلمته «قد أُكمل» في نفوسنا:

  1. فأول حقيقة ظاهرة ملموسة تمتلك مشاعرنا هي الإقرار بلاهوت المسيح، فإن موته الأليم كان في نظر أعدائه قاضياً على حياته، وكافياً أن يقوّض حصون دعواه أنه المسيح ابن الله، وأن يفصم عُرى مقاصده في اكتساب البشر إليه. ولكن شيئاً من هذا لم يحدث، بل صرح وهو قرير النفس ناعم البال أن كل شيء «قد أُكمل». فقد وفى عهده وفدى خليقته.
  2. وثاني حقيقة رائعة تسود على قلوبنا هي قبول خلاص المسيح الكامل كما هو، فليس علينا أن نضيف على عمله شيئاً، لأن عمله كامل، والكامل غير قابل للتحسين أو التكملة، فليس علينا أن نكفّر عن سيئاتنا باحتمال الآلام أو نشتري غفران خطايانا بالأعمال الصالحة، فكل هذا عيب في حق الصليب. إنما علينا فقط قبول هذا الخلاص بإيمانٍ كامل، ينشئ فينا فرحاً به وحباً له.
  3. وثالث حقيقة ترتسم في ذهننا وتنطبع على أفئدتنا هي تكريس نفوسنا للمسيح. فهو له المجد قدّس نفسه لأجلنا وأكمل كل شيء بلا تفريط، وجاد بكل نقطة من دمه، فخليق بنا أن نكرس أجسادنا ذبيحة حية مقدسة مَرْضِيّةً عند الله، عبادتنا العقلية (رومية ١٢: ١).
  4. وآخر حقيقة أذكرها، نعجب بها ونصبو إليها هي الأمانة حتى الموت، فقد كان المسيح ثابتاً إلى النهاية، ولم يتراجع أمام آلة الإعدام، ولم ينزل عن الصليب حتى أكمل ما عليه، فمن الشرف الأعظم أن نتحلّى بحليته ونتّسم بسمته، فنكون أمناء في محبة الحق والقيام بواجب الخدمة إلى الموت فننال إكليل الحياة (رؤيا ٢: ١٠).

You may also like