الرئيسية كتبدفاعيات الباب الثاني: الانجيل ووحدانية الله الجامعة

الباب الثاني: الانجيل ووحدانية الله الجامعة

بواسطة nancy tharwat
31 الآراء

كتاب اللّه ذاتهُ وَنوع وَحدَانيتهِ – 

شهادة الإنجيل بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة

عوض سمعان

الباب الثاني: الانجيل ووحدانية الله الجامعة

في هذا الباب ندرس

١ – شهادة الإنجيل بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة.

٢ – توافق التثليث مع وحدانية اللّه، وعدم وجود تركيب فيه.

٣ – توافق ظهور أقنوم دون آخر، مع ثبات اللّه، وعدم تعرُّضه للتغير.

الفصل الأول: شهادة الإنجيل بأن وحدانية اللّه جامعة مانعة:

هناك آيات كثيرة في الإنجيل تدل على أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، أو بتعبير آخر: إن اللّه ليس أقنوماً واحداً بل أقانيم، متى ٣: ١٦، ١٧ ومرقس ١: ٩-١١، ولوقا ٣: ٢١، ٢٢، ويوحنا ١٤: ١٦، ١٧، ١٥: ٢٦، ٢ كورنثوس ١٣: ١٤، وغلاطية ٤: ٦، وأفسس ٢: ١٨، ويهوذا ٢٠، ٢١.

لكن للاختصار نكتفي هنا بالآية التالية، على سبيل المثال:

قال المسيح لتلاميذه في أواخر خدمته على الأرض: «فَٱذْهَبُوا وَتَلْمِذُوا جَمِيعَ ٱلأُمَمِ وَعَمِّدُوهُمْ بِٱسْمِ ٱلآبِ وَٱلابْنِ وَٱلرُّوحِ ٱلْقُدُسِ» (متى ٢٨: ١٩).

والعماد في المسيحية، هو خدمة دينية، يغطس بها المؤمن في الماء، ثم يُقام منه ثانية، للدلالة على موته عن الخطية وقيامته بحياة روحية جديدة يحيا بها لمجد اللّه دون سواه. أما اعتماد بني اسرائيل لموسى في البرية، فيُراد به خضوعهم له وانقيادهم وراءه (١كورنثوس ١٠: ٢، وغلاطية ٣: ٢٧، رومية ٦: ٣، ٤).

كما أن معنى الأبوة والبنوة هنا، ليس هو المعنى الحرفي، بل المعنى الروحي الذي يتوافق مع خصائص اللّه، كما سيتضح في الباب التالي.

وبالتأمل في هذه الآية يتبين لنا:

  1. إنها لا تقول بأسماء الآب والابن والروح القدس; بل «باسم الآب والابن والروح القدس». وكلمة «باسم» المفردة، تدل بكل وضوح على أنه لا يقصد بالأقانيم «الآب والابن والروح القدس» ثلاثة كائنات، بل كائن واحد، هو بذاته «الآب والابن والروح القدس»، أو بتعبير آخر، هو اللّه دون سواه.ورُبَّ قائل يقول، إن استعمال كلمة «اسم» ليس دليلاً قاطعاً على أن «الآب والابن والروح القدس» كائن واحد، فمن المحتمل أن يكونوا ثلاثة كائنات منفصلة، وكلٌّ منهم مضاف على حِدة إلى كلمة «اسم» ولكن لا مجال لمثل هذا الاعتراض، إذا ذكرنا الحقيقة اللغوية، الواردة بعد ذلك في البند الثاني.كما يدَّعي بعض المعترضين أن الآب وحده هو اللّه، وأن الابن والروح القدس منبثقان منه. لكن هذا الادعاء لا نصيب له من الصواب إطلاقاً، وذلك لسببين رئيسيين (أ) إن المراد بـ «الآب والابن والروح القدس» (كما يتضح من الفصل الثاني في هذا الباب) كائن واحد فحسب، وبما أن المعترضين يعتقدون أن «الآب» هو اللّه، وجب عليهم التسليم بأن «الابن والروح القدس» واحد معه في الجوهر أو الذاتية، وبالتالي بأن «الآب والابن والروح القدس» هو اللّه. (ب) إن الغرض الروحي من العماد هو الخضوع المطلق والتكريس الكامل، وبما أن هذا لا يكون إلا للّه، وللّه وحده، لذلك لا جدال في أن «الآب والابن والروح القدس»، الذين نعتمد باسمهم، هم اللّه. ونظراً لأننا سنرد على جميع الاعتراضات في الباب الخامس، نكتفي هنا بهذه الملاحظة.
  2. إن حرف العطف المترجم من اليونانية «و»، والموضوع بين كلمتي «الآب» و «الابن»، دليل لغوي على أنه يُقصد بالأقانيم الثلاثة، كائن واحد، لأنهم لو كانوا غير ذلك، لاستعمل بدلاً من حرف العطف المذكور، العلامة التي تُدعى في العربية «الفاصلة» «،».

ولزيادة الايضاح نقول: إذا أُريد التعبير عن مجيء ثلاثة أشخاص أحدهم محام، وثانيهم طبيب، وثالثهم مهندس، فانه بحسب قواعد اللغة اليونانية يُقال «جاء محام، طبيب و مهندس» بوضع فاصلة بين الاسمين الأول والثاني، وحرف عطف بين الاسمين الثاني والثالث. أما إذا أُريد التعبير عن مجيء شخص واحد، هو محام وطبيب ومهندس في نفس الوقت، فانه يُقال: «جاء محام وطبيب ومهندس»، بوضع حرف عطف بين كل من الاسمين الأول والثاني، والاسمين الثاني والثالث. وهذه هي نفس الصيغة المستعملة في الآية «باسم الآب والابن والروح القدس»، الأمر الذي يدل على أنه يقصد بهم كائن واحد، ليس سواه.

وحقيقة وحدانية اللّه وعدم وجود تركيب فيه يعبر عنها كما ذكرنا في المقدمة، بـ «التوحيد». ويُعبَّر عن حقيقة تميُّزه بثلاثة أقانيم بـ «التثليث». ولذلك فالتثليث ليس معناه أن هناك ثلاثة آلهة، كما يظن بعض الجهلاء، بل معناه أن اللّه الذي لا شريك له ولا تركيب فيه، هو بذاته ثلاثة أقانيم، لأنه هو بذاته المقصود بـ «الآب والابن والروح القدس».

وأول استعمال للفظة «التثليث» كان في القرن الثالث بعد الميلاد. وهي باللغة اليونانية «ترياس» ومعناها، كما يقول أساتذة اللغة اليونانية «واحد وثلاثة». فكلمة «واحد»، يُشار بها إلى جوهر اللّه، وكلمة «ثلاثة»، يُشار بها إلى أقانيمه (محاضرات لاهوتية ص ٢٠). وليس معنى ذلك أن عقيدة التثليث ظهرت في القرن الثالث، لأن هذه العقيدة كانت معروفة كل المعرفة لدى المسيحيين منذ القرن الأول، كما سنوضح في الأبواب التالية، إنما لم تكن في أيامهم حاجة إلى إطلاق اسم عليها، إذ كانوا في بساطة إيمانهم يكتفون بالاعتقاد أن اللّه هو «الآب والابن والروح القدس»، وأن «الآب والابن والروح القدس» هم اللّه. ولكن لما اعتنق المسيحية كثير من الفلاسفة في القرن الثالث، عبَّروا عن هذا الاعتقاد بـ «التثليث». ونقتبس من مجلة كلية الآداب الصادرة في مايو سنة ١٩٣٤ ومن كتاب فصوص الحكم للدكتور أبو العلا عفيفي (١٣٣، ١٣٤، ٣٢٥، ٣٢٦) الملخص الآتي:

قال محيي الدين بن العربي: «أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد، بل هو أصل الأعداد». فأول صورة تعينت فيها الذات الإلهية كانت ثلاثية. وذلك لأن التعين كان في صورة العلم، حيث العلم والعالم والمعلوم حقيقة واحدة. كما أن أول حضرة إلهية ظهر فيها اللّه، كانت ثلاثية، لأنها حضرة الذات الالهية المتصفة بجميع الأسماء والصفات. فضلاً عن ذلك فان عملية الخلق نفسها هي ثلاثية أيضاً، لأنها تقتضي وجود الذات الالهية و الارادة والقول «كن». فالتثليث هو المحور الذي تدور حوله رحى الوجود، وهو الشرط الأساسي في تحقيق الإيجاد والخلق، ولذلك أنشد قائلاً:

تثليث محبوبي وقد كان واحداً كما صيَّر الأقْنام بالذات أقنُما

وطبعاً لا يقصد ابن العربي بقوله هذا، أن يشرح عقيدة الأقانيم المسيحية، فقد كان من كبار المسلمين المتمسكين كل التمسّك بعقيدتهم. إنما قصد أن يثبت أن اللّه لم يظهر مطلقاً بوحدانية مجردة أو مطلقة، بل كان يظهر دائماً أبداً في ثالوث. وهذا الثالوث هو العلم والعالم والمعلوم، أو الذات والأسماء والصفات، أو الذات والارادة والقول «كن». ومع كلٍّ، فان مجرد اتّصاف اللّه بصفات وقيامه بأعمال، دليل على أنه ليس أقنوماً واحداً، بل أقانيم. لأنه لولا ذلك، لما كانت له صفة إيجابية، ولما قام بعمل دون أن يتعرض للتطور والتغير، الأمر الذي لا يتفق مع كماله بأي وجه من الوجوه.

نشر بتصريح من نداء الرجاء

https://call-of-hope.com/

You may also like