الرئيسية كتبدفاعيات 2-وحدانية اللّه ونوعها

2-وحدانية اللّه ونوعها

بواسطة nancy tharwat
26 الآراء

كتاب اللّه ذاتهُ وَنوع وَحدَانيتهِ –

الفصل الأول: وحدانية اللّه ونوعها

عوض سمعان

الفصل الأول: وحدانية اللّه ونوعها

كلنا يعلم أن اللّه يتصف بصفات وإن كنا لا نستطيع الإلمام بها، لأنّ اللّه يفوق العقل والإدراك. فالله يتصف مثلاً بالسّمع والبصر، والكلام والعلم، والإرادة والمحبة، لأنه ذات عاقلة لها علاقة مع غيرها من الكائنات، مثل البشر والملائكة. والذات العاقلة التي لها علاقة مع غيرها تتصف بهذه الصفات، بأي وجه من الوجوه.

ومما لا شك فيه أيضاً أنّ هذه الصّفات لم تكن عاطلة في اللّه أزلاً ثم صارت عاملة عندما قام بخلق الملائكة والبشر وغيرهم من الكائنات، بل إنّها كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً (أي دون وجود مؤثر، خارج عن ذاته) وذلك قبل وجود أحد منهم، لأنه لو كان الأمر غير ذلك، لكان اللّه تعرض للتغيُّر، إذ يكون قد صار عاملاً، بعد أن كان غير عامل، والحال أنه لا يتغير على الإطلاق.

ولو كان الأمر غير ذلك لكانت هذه الكائنات ضرورة لازمة لجأ إليها اللّه لكي يُظهر صفاته ويُعلن ذاته، والحال أنه تعالى لكماله التام، ظاهر في صفاته كل الظهور، ومُعلَن في ذاته كل الإعلان، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها.

وبما أن اللّه يتصف بهذه الصفات التي كانت عاملة فيه من تلقاء ذاتها أزلاً، قبل وجود أي كائن من الكائنات سواه، إذن لا شك في أنه كان يمارسها حينذاك بينه وبين ذاته وحدها. هذا من وجهة، ومن وجهة أخرى بما أن ممارسة هذه الصفات لا يمكن أن تقوم لها قائمة إلا بين كائنين عاقلين على الأقل، أو بين كائن عاقل وذاته، إن كان مركباً.

وبما أن اللّه مع وحدانيته وتفرُّده بالأزلية وعدم وجود تركيب فيه، كان يمارس هذه الصفات بينه وبين ذاته أزلاً كما ذكرنا، فمن المؤكد إذن أن تكون وحدانيته، مع عدم وجود تركيب فيها، ليست وحدانية مجردة أو وحدانية مطلقة، بل وحدانية من نوع آخر لا نظير له في الوجود، لأن كل شيء في الوجود، حتى الذرة، مكوَّن من أجزاء.

و «الوحدانية المجردة» هي الوحدانية التي لا تتصف بصفة، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أن اللّه لا يتصف بصفة، أو بالحري أنه ليس ذاتاً، أو موجوداً له كيان حقيقي، لأن لكل موجود حقيقي صفة، على أي نحو من الأنحاء.

أما «الوحدانية المطلقة» فهي الوحدانية التي لا حدَّ لها، وإسنادها إلى اللّه معناه (كما يُستنتج من آراء القائلين بها) أنه ذاتٌ يتصف بالصفات السلبية (كعدم الإرغام وعدم الجهل)، أو يتصف بالصفات الإيجابية (كالإرادة والعلم). ولكن هذه الصفات لم يكن لها مجال للظهور أو العمل، إلا عند قيامه بالخلق، أي أن صفاته تعالى كانت بالقوة أزلاً، ثم صارت بالفعل عندما خلق.

وإن كان لا بدّ من إطلاق اسم على وحدانية اللّه، فمن الممكن أن تُسمَّى «الوحدانية الشاملة المانعة» أو «الوحدانية الجامعة المانعة» أي الشاملة أو الجامعة لكل ما هو لازم لوجود صفات اللّه بالفعل، بصرف النظر عن وجود الكائنات أو عدم وجودها. لأنه بذلك يكون منذ الأزل الذي لا بدء له، عالماً ومعلوماً، وعاقلاً ومعقولاً، ومُريداً ومراداً، وناظراً ومنظوراً، وسميعاً وكليماً، ومُحباً ومحبوباً، دون أن يكون هناك تركيب في ذاته أو شريك معه، الأمر الذي يتوافق كل التوافق مع كماله، واستغنائه بذاته عن كل شيء في الوجود.

ونحن وإن كنا لا نبني أسانيدنا في هذا الكتاب على أقوال الفلاسفة والعلماء، لكن استيفاءً للبحث نقول إن كثيراً منهم، في كل دين من الأديان، قد ذهب إلى أن اللّه جامع. فمن بين اليونان، قال أفلاطون: «اللّه جامع لكل المحامد»، وقال أرسطو: «اللّه هو الكل، فهو العقل والعاقل والمعقول». ومن بين اليهود قال فيلون: «اللّه لا يتصل بالعالم مباشرة، بل بواسطة كلمته».

وقال سيمون بن يوشي: «كلمة إلوهيم (أي اللّه) تدل على أنه تعالى جامع». ومن بين المسيحيين، قال بوهمي: «لا بد أن يكون اللّه منطوياً على كثرة، هي الينبوع الخفي للحياة الكلية، إذ كيف يمكن تفسير الكثرة الموجودة في العالم بالوحدة المطلقة، وليس في الوحدة المطلقة شيء تريده، ما دامت وحدة مطلقة»، وقال فيكتور كوزان: «الحقائق المطلقة التي نجدها في عقلنا تتطلب وجود عقل مطلق، ولما كان عاقلاً، كان وجداناً، والوجدان يتضمن التنوُّع».

وقال سانتلا: «كيف يتصور صدور الكثرة من الأحدية البسيطة المتعالية عن كل كثرة! إن الأمر لا يخلو أن يكون أحد حالين: إما أن يُقال إن الكثرة كانت مكنونة في ذات الأول المحض، كما قال بعض الصوفيين إنها كالشجرة في النواة. وإما أن يُقال إن الكثرة لم يكن لها أثر أو رسم في ذات اللّه. وكيف يُتصوَّر حينئذ أن يكون علة للكثرة!». فبناء على رأيه، يجب التسليم بوجود كثرة في اللّه، أو بتعبير أدقّ بوجود إله جامع أو شامل.

ومن بين فلاسفة المسلمين وعلمائهم، قال صاحب التحقيق: «أرى الكثرة في الواحد، وإن اختلفت حقائقها وكثرت، فإنها عين واحدة، فهذه كثرة معقولة في ذات العين»، وقال ابن العربي: «إذا اعتُبر الحق ذاتاً وصفات، كان كلاً في وحدة». وقال غيره: «لكن من غلبت عليه الوحدة من كل وجه، كان على خطر. فالقلوب به هائمة والعقول فيه حائرة، وبذلك ظهرت عظمته سبحانه وتعالى». (عن كتب: مشكلة الألوهية، والفلسفة الإغريقية، وتاريخ الفلسفة اليونانية، وعلم الطبيعة، والفلسفة الأوروبية في العصر الوسيط، وتاريخ الفلسفة الحديثة، وفلسفة المحدثين والمعاصرين، والمدخل إلى الفلسفة، وفصوص الحكم لابن العربي، وتحفة المريد على جوهرة التوحيد، وحاشية الأمير على الجوهرة).

 نشر بتصريح من نداء الرجاء

https://call-of-hope.com/

You may also like