الرئيسية كتبروحية_ بنائية كلمات المسيح الصليب – الكلمة الاولى – يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ – يسّى منصور

كلمات المسيح الصليب – الكلمة الاولى – يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ – يسّى منصور

بواسطة Mousa
22 الآراء

من كتاب كلمات المسيح السبع على الصليب

يسّى منصور

الكلمة الأولى

«يَا أَبَتَاهُ، ٱغْفِرْ لَهُمْ، لأَنَّهُمْ لا يَعْلَمُونَ مَاذَا يَفْعَلُونَ»(لوقا ٢٣: ٣٤)

لنتقدَّم بكل اتضاع إلى الجلجثة، ولننظر بخشوع إلى المصلوب فنرى ما لم يخطر على بال! لقد عصب أعداؤه رأسه بأكليل الشوك، ولكن ما أرهب الجلال الذي على جبينه! علّقوه على الصليب فكان الصليب رايةً لإعلان مجده الأدبي والروحي. صرخوا للحاكم قائلين: «اصلبه» أما هو فصرخ إلى الله قائلاً: «اغفر لهم». يا لها من كلمة! إنها كلمة محبةٍ في ضوضاء البغضة، وكلمة هدوءٍ في أعاصير الألم، وكلمة صلاحٍ في أروع مظاهر الفجور، وكلمة ثقةٍ، لأن المسيح لم يمُت بيد أعدائه بل مات عنهم. وهي كلمة محتضرٍ في سلطانه مفاتيح الحياة، وكلمة متّهمٍ يُصدِر حكم العفو الملكي، وكلمة ختمٍ عمليّ لما علَّم به من الصفح عن السيئات، وكلمة إنجازٍ لِما هو مكتوبٌ «إنه شَفَعَ فِي ٱلْمُذْنِبِينَ» (إشعياء ٥٣: ١٢)، وكلمة عظمةٍ واقتدار في ثياب الضِّعة والضعف. كان عظيماً يوم تكلم بالقوة في سيناء، حيث تقدَّمته الرعود وحفّ به الضياء. ولكنه صار أعظم، يوم تكلم بالحب في الجلجثة وهو مسمَّرٌ على الصليب مثخنٌ بالجراح. فعظيمٌ هو دِينُ العدل الخالي من العفو، ولكن أعظم هو دِينُ الرحمة الغافرة، دِينُ «دَمِ رَشٍّ يَتَكَلَّمُ أَفْضَلَ مِنْ هَابِيلَ» (عبرانيين ١٢: ٢٤).

لقد رُفع الصليبُ كمذبحٍ، وعُلِّق عليه المسيح كذبيحة. وكم نتعجب من أول كلمةٍ دشَّن المسيح بها هذا المقامَ الكهنوتيَّ العظيم. وتعجُّبنا من طلبه الغفران لأعدائه لا يقِلّ عن تعجُّبنا من الحُجّة التي دعم بها هذا الطلب. فلنتأمل في الأمرين:

١- «اغفر لهم يا أبتاه»

ما أجمل وأعجب الطلب الذي رفعه المسيح للآب عن أعدائه: «اغفر لهم يا أبتاه». إنه طلب نعمةٍ فياضة لغير المستحقين، الذينٍ قابلوا المحسنَ البار مقابلة الوحوش الضارية. وهو طلب حكمة فائقة تتلمَّس العذر للجُناة من محيط وظروف الجناية. وهو طلبٌ عظيم للغاية، لأنه لا يتضمّن طلب مالٍ أو حرية سياسية أو غير ذلك، بل يطلب أعظم شيء في الوجود: الغفران الذي يؤهّل أصحابه للاشتراك في الأمجاد السماوية! إنه طلبٌ حماسيّ، لأنه لم يتقدّم بعد قرن أو سنة أو يوم، بل تقدم في حال وقوع الذنب نفسه! فهو طلبٌ من طبيعةٍ إلهية، وُضع كمَثَلٍ أعلى لتنسج البشرية المتعصّبة خيوط الصفح على منواله. فإن المسيح لم يمت ليكون فقط كفارة عن خطايانا، بل مات أيضاً ليترك لنا مثالاً نقتفي أثر خطواته. فلنقف صامتين خاشعين أمام المسيح وهو مخضّب بدمائه، رابط الجأش، يرِقّ لأعدائه ويصفح عنهم الصفح كله، لنرى هل ارتفعنا إلى شرف التمثُّل به في الصفح عن أعدائنا؟ ليت منظر الصليب يذيب قلب الإنسان المتحجّر على أخيه الإنسان، فلا يبقى فينا إلا الصفح والمحبة. ولكن ليكن صفحنا ليس عن بلادةٍ وجمود، كمن لا تؤلمه غضاضةٌ أو يمضُّه هوان. وليس عن سياسةٍ ودهاء، كمن يتحيّن الفرص للانتقام. وليس عن تهذيبٍ إنساني، حباً للظهور بمظهرٍ حضاري. وليس عن استسلامٍ أعمى ينشأ عنه الضرر. وليس عن اضطرارٍ نتيجة الضعف الذي لا يُدفع. ولكن ليكن صفحنا عن رقةٍ في الشعور، مجانياً إطاعة لأمر الله، ومحبةً لخير المذنب، وصفحاً على مثال السيد المسيح وأتباعه الأمناء، كما حدث عندما كان اليهود يرجمون استفانوس وهو يصلي: «يَا رَبُّ، لا تُقِمْ لَهُمْ هذِهِ ٱلْخَطِيَّةَ» (أعمال ٧: ٦٠).

هزأ ملكٌ وثني بمسيحي تحت آلة التعذيب بين حي وميت. وقال له: «أخبِرني يا تابع المسيح، ما هو أعظم عملٍ عمله لك المسيح». فأجاب: «أعطاني القوة لأسامحك رغم ما عاملتني به من قسوة مخيفة!» وقيل لرجلٍ: «لديك فرصة سانحة للانتقام من عدوّك». فأجاب: «نعم إنها فرصة! ولكن لا لسَلب كرامته أو ثروته أو حياته، بل لسَلب ما يملك من مَيْل رديء!». وشهد لصٌّ أمام محكمة أنه صوّب بندقيته على عدوٍّ له وأطلق النار. ودنا من النافذة ليرى قتيله، فإذا به يراه سالماً جاثياً على ركبتيه يطلب الرحمة لطالب نفسه. فارتعب اللص ولم يقدر أن يُعيد إطلاق النار، وهرب مذعوراً، ولم يعرف أين هو حتى وقع في يد الشرطة! وهجم الصينيون في حرب البوكسر على أحد المرسلين ليقتلوه، فطلب منهم إمهاله حتى يكتب رسالةً لزوجته يُعرّفها باستشهاده، ويحضّها على أن ترسل ابنه إلى الصين بعد أن يُتمّ دراسته ليُكمل توصيل بُشرى الإنجيل لأهل الصين. ثم قُتل وُطرح للكلاب. ولكن روحه المتسامحة النبيلة أثّرت في أحد الجنود فآمن وصار قائداً مسيحياً مشهوراً.

لقد أثّرت صلاة المسيح الشفاعية على كثيرٍ من البشر في كل العصور والأمصار، فتحولوا من الانتقام إلى التضحية، ومن الترفُّع إلى الخدمة والإخاء.

٢- «لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!»

وبما أن الشفقة والإخلاص هما عنوان روح المسيح، لذلك دعم طلبه بحجة بديعة ساطعة: «لأنهم لا يعلمون ماذا يفعلون!». فهي حجةٌ تدل على براعة المحامي، لأن الجناية ثابتةٌ على الجناة. ومع ذلك فالمجني عليه يرى بعين الرحمة أنهم أساءوا إليه وهم يجهلون حقيقة شخصه، ويتدرّج من ذلك إلى التماس العذر لهم، معتبراً أن هناك تفاوتاً في أنواع الجرائم، فليس الذي يخطئ بجهلٍ كالذي يتعمّد إيقاع الخطأ.

كان بنو إسرائيل حكماء في أشياء كثيرة، ولكنهم من جهة المسيح كانوا في جهلٍ مطبق، فقد جهلوا مجده الإلهي بسبب ما رأوا فيه من مظاهر التواضع والضعف الإنساني و « لَوْ عَرَفُوا لَمَا صَلَبُوا رَبَّ ٱلْمَجْدِ» (١ كورنثوس ٢: ٨). وجهلوا النبوات عنه لإهمالهم دراسة كتبهم المقدسة بقلب مفتوح، ولسماعهم تفاسير معلّميهم المغلوطة. ولو أنهم فتشوا كتبهم لوجدوا فيها حياةً أبدية، لأنها تشهد للمسيح (يوحنا ٥: ٣٩). وجهل اليهود حقيقة دعوى المسيح أنه المخلِّص المنتظَر بسبب ما رأوه من عداوة كهنتهم ورؤسائهم له وتحريضهم على قتله كثائر مجدف. وجهلوا مجد صلاحه وبرّه لأن ظلمة الخطية أعمت عيونهم، فكانوا كمريضٍ محموم يهزأ بطبيبه.

وبما أن الجهل يعقبه الخطر الداهم، كالخطر الذي يصيب رجلاً جاهلاً يلعب بالنار في مخزن البارود، فقد رأى المسيح ما سيحل باليهود عقاباً لجهلهم فطلب رفع هذا العقاب.

ومع أن الناس اليوم تقدموا في العلوم ونبغوا في الاختراعات والاكتشافات واتسعت دائرة معرفتهم، إلا أن نظرهم لا يزال قصيراً من جهة الخطية، فهم يستخفّون بها ويرونها أقل بكثير مما هي. فمنهم من يخطئ ويستر خطأه بالقول إن نيته كانت سليمة. ومنهم من يخطئ ويتعلل بتفسيرات سخيفة مغلوطة لبعض آيات الكتاب المقدس، ويجعل من هذه التفسيرات عكاكيز يسير عليها في طريق الخطأ. ومنهم من يخطئ وهو يتّخذ ضعف الطبيعة البشرية وِسادة يستريح عليها. ومنهم من يخطئ وهو يقارن بينه وبين غيره من الخطاة ويجعل من هذه المقارنة منظاراً يصغّر به خطاياه الخاصة. ومنهم من يخطئ لتأخُّر القصاص عنه فلا يزيد تفكيره عن تفكير النعامة التي إذا رأت الصياد خبأت رأسها في الرمل، وهي تظن أنها في أمان، مع أنها في قلب الخطر.

ولا شك أن الخطية شرٌّ أكثر مما يمكن لبشرٍ أن يتصوَّر! أليست هي التي تنبع من القلب النجس الذي يخدع الإنسان كمخدّر لا يُدريه شرَّ ما يفعله؟! أليست هي خطأً يُرتكب ضد قداسة الله وشريعته؟ أليست هي التي لم يكن لها دواء إلا كفارة الصليب؟ أليست هي التي أوجدت عذابات الجحيم الأبدية؟ أليست هي التي تُلقي في أتون نار الضمير المحمَّى سبعة أضعاف؟ أليست هي التي تنغّص الحياة وتجلب شتى البلايا علينا وعلى مَن هم حولنا؟

فمن يعمل الخطية بجهلٍ هو كمن يضع يديه على عينيه ويسير إلى حفرة عميقة وهاوية سحيقة.

ليت صلاة المسيح الشفاعية تقرع كأجراس عالية في آذاننا ليكون لنا، على مثال المسيح، قصدٌ روحي نحو العالم ومطمع كبير غير محدود لخلاص الجميع حتى ألدّ أعدائنا وأشد مقاومينا، ولنرحب بغير المسيحيين ترحيباً عاماً، فنقوم بأعمالٍ نشيطة جدّية، وندعوهم لنوال الخلاص المشترك. ألم يتأثر المسيحيون الأولون بمثال المسيح، فكانوا يسيرون صفوفاً صفوفاً يرنمون بخشوع إلى السجن وإلى أفواه الأسود، وهم يرون السماء أمامهم ويطلبون الرحمة لأعدائهم؟ يقول الجهلاء إن الجو الآن غير ملائم لتبشير الملايين المحيطين بنا. ولكن هؤلاء الملايين يخلقون من حولنا جواً مملوءاً بالعداوة والفجور أكثر مما عمل اليهود مع المسيح. والمسيح يطالبنا أن نقوم في الحال ونعمل بكل نشاط لنقودهم للخلاص. فلنقُم ونكمل بكرازتنا نقائص شدائد المسيح (كولوسي ١: ٢٤) فيكون لنا من عمل المسيح وسعيه لخلاص العالم أُسوة تُقتفى ومثالاً يُحتذى.

ثم أرجو أن ينتبه الذين يعيشون في خطاياهم إلى التحذير المخيف المصرَّح به في هذه الصلاة. ألم يلتمس المسيح عذراً للذين يخطئون بجهالة؟ إذاً مَن يخطئون ضد النور بعد أن أخذوا معرفة الحق لا يبقى لهم عذرٌ لعفوٍ أو سببٌ لاستعطاف. والخطية درجات، وحذار أن تصلوا إلى نقطةٍ يبطل فيها عمل المسيح النيابي، إذ توجد خطية ليست للموت وتوجد خطية للموت لا رحمة لها (١يوحنا ٥: ١٦). واعلموا أن الصليب هو أظلم جناية ارتكبها العالم، فهو يكشف أصول الخطية. فمن شاء أن يقبل كفارة الصليب فهو يكرم ابن الله، ومن تكبّر ورفض كفارة الصليب فقد رفض ابن الله وزاد شراً عن قاتليه، فلا يُحسب دم المسيح له بل عليه.

You may also like