الرئيسية كتبدفاعيات 24-الباب السابع: موقف الاسلام ازاء التثليث

24-الباب السابع: موقف الاسلام ازاء التثليث

بواسطة nancy tharwat
23 الآراء

كتاب الله ذاته ونوع وحدانيته

موقف الاسلام ازاء التثليث

عوض سمعان

الباب السابع: موقف الاسلام ازاء التثليث

في هذا الباب نرى

١ – البدعة المريمية

٢ – تعذُّر البحث في الذات الإلهية

٣ – «الكلمة أو المسيح» وصفاته وأعماله

٤ – «روح القدس» وصفاته وأعماله

٥ – آراء علماء الدين عن التثليث

الفصل الأول: البدعة المريمية

يظن كثير من الناس أن الإسلام ينتقد عقيدة التثليث. ولكن التثليث الذي ينتقده، ليس تثليث المسيحية الذي تحدثنا عنه في الأبواب الأربعة الأولى، بل هو تثليث آخر، ابتدعه الهراطقة الذين ألَّهوا العذراء وأنكروا لاهوت المسيح. والعذراء لم تكن إلا بشراً مثلنا، والمسيح وإن كان قد بدا كبشر، إلا أنه في جوهره هو اللّه متأنساً، كما ذكرنا فيما سلف. ولما كانت عقيدة التثليث على أعظم جانب من الأهمية، لأنها الإعلان التفصيلي عن ذات اللّه، رأينا من الواجب أن نزيل كل لبس وغموض يحوم حولها.

جاء في سورة المائدة ٥: ١١٦: «وَإِذْ قَالَ ٱللَّهُ يَا عِيسَى ٱبْنَ مَرْيَمَ أَأَنْتَ قُلْتَ لِلنَّاسِ ٱتَّخِذُونِي وَأُمِّيَ إِلَهَيْنِ مِنْ دُونِ ٱللَّهِ؟». وجاء في سورة المائدة ٥: ٧٣: «لَقَدْ كَفَرَ ٱلَّذِينَ قَالُوا إِنَّ ٱللَّهَ ثَالِثُ ثَلاثَةٍ» – ومن هاتين الآيتين يتضح لنا أن القرآن لا ينتقد عقيدة التثليث المسيحية، بل ينتقد بدعة اتخاذ مريم والمسيح إلهين من دون اللّه، أو اتخاذهما معه إلهين. وتثليث المسيحية يختلف كل الاختلاف، كما تبين مما سلف، عمّا تتضمنه هاتان الآيتان من معنى، لأنه لا يُراد به أن اللّه ثالث ثلاثة، بل يُراد به أنه هو ذات الثلاثة. وهؤلاء الثلاثة الواحد في الذاتية، ليسوا هم المذكورين في القرآن، بل هم «الآب والابن والروح القدس».

ولا يوجد مسيحي واحد يؤمن بالبدعة التي ذكرها القرآن، أو يطيق سماعها، لأن جميع المسيحيين يؤمنون أن لا إله إلا اللّه، ومن قال غير ذلك فهو في نظرهم مشرك بعيد كل البعد عن اللّه.

وهنا يسأل سائل: إذا كان الأمر كذلك، فمن هم الذين أشار إليهم القرآن في هاتين الآيتين؟

الجواب: إذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا أن بعض الدخلاء على المسيحية كانوا قد نادوا في القرن الخامس بالعذراء مريم إلاهة عوضاً عن «الزهرة» أو «ملكة السماء» التي كانوا يعبدونها قبل انضمامهم الظاهري إلى المسيحية، وأطلقوا على أنفسهم اسم «المريميين». وبمجرد ظهورهم اعتبرتهم الكنيسة من الزنادقة، وفصلتهم من دائرتها فصلاً نهائياً. كما قاومت بدعتهم بكل الحجج الكتابية وغير الكتابية، ونهت المسيحيين عن الاختلاط بهم والتعامل معهم، ولذلك لم ينته القرن السابع حتى كانت هذه البدعة قد اندثرت اندثاراً تاماً.

وكان المريميون يطلقون على أنفسهم اسم «الكوليريديانيين» نسبة إلى اسم الفطير أو الكعك الذي كانوا يقدمونه حسب زعمهم إلى العذراء، على مثال ما كانوا يفعلونه في عبادتهم «للزهرة» أو «ملكة السماء» من قبل. (تاريخ الكنيسة لموسهيم ٢ف٢٥، وكتاب القول الابريزي للعلامة أحمد المقريزي ص ٢٦، وكتاب الخريدة النفيسة في تاريخ الكنيسة ص ١١٣).

وقال ابن حزم (في كتاب الملل والأهواء والنحل ج ١ ص ٤٨) إنهم كانوا يدعون «البربرانية». ولعله قصد بهذا الاسم شعباً كانوا ينتمون إليه، أو لقباً كانوا يُعرفون به. وربما لا يكون قد قُصد به هذا أو ذاك، بل قُصد به الاشارة إلى جهلهم وانحطاطهم من الناحية الدينية أو العقلية. وكانت «الزهرة» تُعبد في الشرق والغرب معاً، فهي فينوس الرومان، وافروديت اليونان، واشتار البابليين، وعشتاروث الفينيقيين. وقد انتقلت أيضاً عبادتها إلى جماعة من بني إسرائيل في الزمن القديم، فعاقبهم اللّه على ذلك أشد العقاب (ارميا ٧: ١٨-٢٠، ٤٤: ١٩ وحزقيال ٨: ١٤-١٨).

فإذا رجعنا إلى القرآن، وجدناه لا ينتقد عقيدة بنوّة المسيح المعنوية للّه أو اللاهوت، بل ينتقد بدعة اتخاذ اللّه زوجة وإنجاب ولد منها. «بديع السموات والأرض أنَّى يكون له ولد ولم تكن له صاحبة» (الأنعام ١٠١). وهذه البدعة بعيدة كذلك عن المسيحية كل البعد، وليس ثمة مسيحي واحد يؤمن بها أو يطيق سماعها، لأن جميع المسيحيين يعتبرونها إهانة لا تُغتفر في حق اللّه القدوس، المنزّه عن الأدناس والعيوب، بل وعن الجسدانية بكل خصائصها.

وهنا يسأل سائل آخر: إذا كان الأمر كذلك، فمن هم الذين كانوا يعتقدون أن اللّه تزوج وأنجب ولداً؟

الجواب: إذا رجعنا إلى التاريخ وجدنا أن الوثنيين المنتشرين في العصور القديمة في مصر وبلاد العرب واليونان وغيرها، هم الذين كانوا يعتقدون أن آلهتهم تتزوج وتنجب أولاداً. فمن المحتمل أن المريميين تصوَّروا (وتعالى اللّه عن تصوراتهم) أنه اتخذ زوجة مثل هذه الآلهة وأنجب منها ولداً. ومع كلٍ، فسواءً نشأت هذه البدعة من تصوّرات المريميين، أو غيرهم من الوثنيين، فإن التاريخ ينبئنا أن الكنيسة قاومتها بمجرد ظهورها بالحجج الكتابية وغير الكتابية حتى اندثرت تماماً قبل نهاية القرن السابع.

مما تقدم يتضح لنا أن القرآن لا ينتقد عقيدة المسيحيين، بل بدع المريميين وغيرهم من الوثنيين، ومما يثبت صحة ذلك، أنه يصف المسيحيين بكثير من الصفات الطيبة، التي تدل على إيمانهم باللّه الواحد، وسلوكهم بالأمانة في سبيله (آل عمران ١١٣-١١٤، والمائدة ٨٢)، كما يرفع شأنهم فوق الذين كفروا إلى يوم القيامة (آل عمران ٥٥).

You may also like