5- الأقانيم

بواسطة nancy tharwat
27 الآراء

كتاب اللّه ذاتهُ وَنوع وَحدَانيته

الأقانيم

لعوض سمعان

الفصل الرابع: الأقانيم

اصطلح معظم فلاسفة المسيحيين في الأجيال الأولى، على تسمية هذه التعيُّنات بالأقانيم، والمفرد «أقنوم». و «الأقنوم» كلمة سريانية يطلقها السريان على كل من يتميز عن سواه، على شرط ألا يكون مما شُخِّص أوْ لَهُ ظل (A Compendious Syriac Dictionary, pp.٥٠٩-١٠ وسلك الفصول ص ٨٨-٩٠).

ولذلك فإن المراد بكلمة «الأقنوم» هو نفس المراد بكلمة «التعيُّن». وكلمة أقانيم تختلف كل الاختلاف عن كلمة «أشخاص» المستعملة في اللغة العربية والكلمات المقابلة لها في اللغات الأخرى، من ناحيتين رئيسيتين (أ) فالمراد بالأشخاص، هم الذوات المنفصل أحدهم عن الآخر.

أما المراد بـ «الأقانيم» فذات واحدة هي ذات اللّه الذي لا شريك له ولا نظير. (ب) إن الأشخاص وإن كانوا يشتركون في الطبيعة الواحدة، إلا أنه ليس لأحدهم ذات خصائص أو صفات أو مميزات الآخر. أما الأقانيم فمع تميُّز أحدهم عن الآخر في الأقنومية، هم واحد في الجوهر بكل خصائصه وصفاته ومميزاته، لأنهم ذات اللّه الواحد.

فالأقانيم ليسوا إذن كائنات في اللّه، أو كائنات مع اللّه، بل هم ذات اللّه، لأنهم تعيّنات اللاهوت، أو بتعبير أدق «تعيُّن اللاهوت الخاص». أو اللاهوت معيّناً. وتعيُّن اللاهوت أو اللاهوت معيّناً، هو ذات اللّه. وهم تعيُّن اللاهوت أو ذاته معيّنة، لأنهم هم اللاهوت معلناً في ذاته وصفاته. ولذلك كان اللاهوت، بتعيّنه أو أقانيمه، ليس هو اللّه المبهم الغامض، كما يتصوره بعض الناس، بل اللّه المعيّن الواضح، الذي نستطيع إدراكه والرجوع إليه، فنجد فيه مقصدنا، الذي تسكن إليه نفوسنا وتطمئن إليه قلوبنا.

أما عدد الأقانيم، فهو طبعاً أول عدد لا يمكن لأقل منه أن تتوافر فيه خصائص الوحدانية الجامعة المانعة، وهذا العدد هو «٣». ويتفق معنا كثير من الفلاسفة على ذلك، فمثلاً قال ابن العربي: «أول الأعداد الفردية هو الثلاثة لا الواحد، لأن الواحد ليس بعدد، بل هو أصل الأعداد» (فصوص الحكم ص ١٣٠).

وهناك اعتقاد عام عند البشر أن العدد «٣» هو أول عدد كامل، ففي أمثالهم يقولون «ٱلْخَيْطُ ٱلْمَثْلُوثُ لا يَنْقَطِعُ» (جامعة ٤: ١٢)، و «كل شيء بالثالث يكمل»، و «المرَّة الثالثة ثابتة». وفي قانون العقوبات يُعتبر المجرم عائداً يستحق عقوبة الجناية بدلاً من عقوبة الجنحة، إذا ارتكب مخالفة ثلاث مرات (المادة ٤٩ من قانون العقوبات).

وفي الرياضيات، أول شكل هو الذي له ثلاثة أضلاع، وأول حجم هو الذي له ثلاثة أبعاد. وفي الطبيعة، كل نبات راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل حيوان راقٍ مكون من ثلاثة أجزاء رئيسية، وكل إنسان مكون من ثلاثة عناصر رئيسيّة. والذرَّة نفسها مكّونة من ثلاثة أجزاء رئيسيّة وهكذا.. وليس هذا الاعتقاد موجوداً فقط في اصطلاحات الناس وعلومهم، بل إنه موجود أيضاً في كل دين من الأديان.

ففي الإسلام يُعتبر العدد «٣» في كثير من الأحوال أول عدد كامل، فاسم المولى يذكر أثناء كل ركعة ثلاث مرات، ويقوم المصلي بالمضمضة ثلاث مرات، والاستنشاق ثلاث مرات، وغسل الوجه ثلاث مرات، والقسَم لا يكون نافذاً إلا إذا كان باللّه ثلاثاً، والطلاق لا يكون قانونياً إلا إذا كان الإشهار به ثلاثاً.

وفي اليهودية والمسيحية يُعتبر هذا العدد أول عدد كامل (إقرأ مثلاً ٢ صموئيل ٢٤: ١٢، دانيال ١: ٥، خروج ٢٣: ١٤، ودانيال ٦: ١٠، وتكوين ١٥: ٩، وإشعياء ١٥: ٥، وأستير ٥: ١، ولوقا ١٣: ٧، وأعمال ١٠: ١٦، و ٢ كورنثوس ١٢: ٨). وطبعاً ليس الغرض من هذه الاقتباسات هو الاستدلال بها على أن أقانيم اللاهوت أو تعيناته لا بدّ أن يكونوا ثلاثة. كلا! لأن اللّه أسمى من أن يُقاس بالنسبة الى أي شيء من الأشياء، بل الغرض منها هو الاستدلال بها على أنه لو أعلن لنا الوحي أن الأقانيم ثلاثة، لما جاز لعقولنا أن تعترض على الإطلاق،

لأن هذه الحقيقة تكون متفقة مع الواقع المعروف لدينا. ونظراً لأننا سنبحث موضوع عدد الأقانيم بالتفصيل في هذا الكتاب، لذلك نكتفي بهذه الملاحظة.

أمام القول أن وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، لا يجد العقل مجالاً للاعتراض. وإن اعترض بشيء، فلا يمكن أن يقول سوى إن هذا الموضوع يسمو فوق إدراكه. ونحن من جانبنا نوافقه على ذلك كل الموافقة، لأن اللّه عجيب في ذاته ولا يمكن الإحاطة به إطلاقاً. ومع كلٍ، فإنه وإن كان يسمو فوق العقل، إلا أنه ليس ضد العقل، لأننا يجب أن نؤمن: إما بأن وحدانية اللّه هي وحدانية مجرَّدة، نفينا عنه الذات والصفات، والحال أنه ذات وله صفات.

وإن قلنا إنها مطلقة، افترضنا اتّصافه بصفات لا علة له أو عمل أزلاً، وأسندنا أيضاً إليه التغيّر والتطوّر بدخوله في علاقة مع الكائنات التي خلقها، وكل ذلك باطل. ولذلك فمن المؤكد أن تكون وحدانية اللّه هي وحدانية جامعة مانعة، أو بتعبير آخر متميّزة بأقانيم أو بتعيّنات (أو سمِّها ما شئت، إذ لا قيمة للفظ بجانب سلامة المعنى)، لأن هذه الأقانيم أو التعيّنات هي الخصائص الأصلية الذاتية لوحدانية اللّه المحض، ولذلك كان اللّه مع لا نهائيته وتفرُّده بالأزلية، وعدم وجود أي تركيب فيه، ليس الإله المجرّد من الصفات، أو الإله الذي يتَّصف بصفات لم يكن لها عمل أزلاً، بل الإله المتَّصف بكل صفات الكمال، والذي كانت كل صفاته بالفعل، منذ الأزل الذي لا بدء له، إلى الأبد الذي لا نهاية له، الأمر الذي يتوافق مع كماله التام، واستغنائه عن كل شيء في الوجود، وعدم تعرضه للتطور والتغير، بأي وجه من الوجوه.

ومن هذا نرى أن هناك فرقاً كبيراً بين الأمور التي تسمو فوق العقل، وتلك التي لا تتفق معه. فالأولى هي التي تتفق معه في أساسها، لكن لسموها لا نستطيع الإحاطة بكنهها. أما الثانية فإنها لا تتفق معه إطلاقاً، لا في أساسها ولا في كنهها. فمثلاً إذا قلنا إن اللّه يحب الأشرار، فإن هذا القول لا يكون ضد العقل، بل يكون أسمى من إدراكه، لأن الأشرار وإن كانوا حسب عقولنا، لا يستحقون محبة أو عطفاً من اللّه، إلا أنه لكماله التام لا يمكن أن يكرههم، لأنه سبق وخلقهم على صورته كشبَهه.

ولذلك فمن البديهي أنه يحبهم، ويهيء لهم سبيل الرجوع إليه والتوافق معه. أما إذا قلنا إن اللّه يحب الشر، فإن هذا القول لا يكون أسمى من إدراك العقل، بل يكون ضده، لأن الشر لا يتوافق مع قداسة اللّه بأي حالٍ من الأحوال.

نشر بتصريح من نداء الرجاء

https://call-of-hope.com/

You may also like